تحت الشجرة 5

1 ديسمبر، 2012


نحن نحب لذا نحن معرضون لأن نحزن أضعاف ما يحزنه الإنسان الوحيد، نحن نحب أي نحن ننتمي فنجني بانتمائنا كل ما لا يحلم به المتفرد، نحن نحب؛ لذا فإننا نغضب لأجل آخرين، نحمل لهم مشاعر لا تجعلنا قادرين على القبول بأي ضر يمسهم، ولأننا كذلك فإننا نشعر بالأسى حين تحدث لهم المآسي، بل يغمرنا الشعور بالذنب، لمجرد أننا لم نكن قريبين منهم في مكان مأساتهم، ولم نكن موجودين لحظة المأساة، لنرفعها عنهم أو حتى لنفنى معهم حين أطل شبح الموت عليهم، ليحصدهم وهم غارقون في دموعهم ودمائهم.

كل ذلك متوقع من بشر أسوياء، بل أن عدم المرور بتلك التجارب الشعورية، قد يجعل الشك يحيط بسلامة الصحة النفسية للإنسان، لكن إدراك الإنسان المؤمن بالله، يجعله على يقين من أن لله في كل أمر حكمة، وأن من رحمته أن الشمس تستمر في الشروق، والغيوم تتجمع لتسقط غيثًا يروي الأرض العطشى، وتستمر الحياة فيولد من يولد ويموت بعد ذلك من يموت.

إن حركة الكواكب أو دورات الحياة لا تتوقف أبدًا إلى ما شاء الله، وكل من يبشر بغير ذلك فليس سوى مخدوع أو مخادع، وكلما علت قعيرة أحد بما يشبه النواح الدائم، وذم الآخرين واجترار المرارة، فليس يدل ذلك سوى على أنه عليل لن تقر له عين، حتى يرى كل من حوله يحمل نفس ذلك الداء، وكم سهل أن يلقي الفاشل فشله على فعل قام به غيره، وكم من ناجح علق بكاحله صاحب رديء، فأقعده عن بلوغ قدره الذي كان ينتظره في ذرى المجد والإنجاز.

لنرفعها عنهم أو حتى لنفنى معهم

إننا مدركون أن شعبنا قد أنجز الكثير، رغم كل القيود التي تسحبه إلى الوراء، نعم إن شعبنا ينهض كل لحظة من كبوة أصابته، ويقفز من فخ نصبه له أعداء من الأغراب، وتسير عجلات تقدمه الوئيده قدمًا، رغم أن من أبنائه من أبى على نفسه إلا أن تكون عصيًا سيئة الصيت تعرقل حركته.

نعم نحن نحب لذا نحن ممتلؤون بالأمل، ندواي به نوبات الألم التي تهب كل ساعة، كريح سموم حارة حارقة قد تحرمنا النوم ليالي، وقد تجعلنا نبكي في صمت حتى نبلل وسائدنا أحيانًا، و خمرنا ولحانا في أحيانًا أخرى، لكننا نحمل حملًا ثقيلًا، ولدينا إرادة وهبها الله لنا، وجعلها في أعمق أعماق قلوبنا، وكون منها جوهر أرواحنا النبيلة.

إرادة تحضنا دائمًا بأن نكون كما أراد الله ـ عز وجل ـ، وأن نعبر عن حبنا له، بطاعتنا حبيبه المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ، طاعة تجعل نصب أعيننا أنه ” لا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، غير مستثنين من تلك الأخوة إلا ما استثنى الله ورسوله.

إننا المحبون ندرك أنه ليس من حقنا، أن نفصل المحبة على هوانا، ولا أن نُخرج من مظلة الحب تلك، من أوجب الله علينا أن نحبهم، لأنه شملهم تحتها هو ذاته من فوق سبع سماوات، فأي دعوى تلك التي تجعل قومًا منا، مستحقين للظلم والتنكيل؟، وأيها تلك التي تجعل من آخرين غيرهم يستحقون الظلم والتنكيل؟

إن الإخلاص أحبتي يعني التفرد، والتفرد يعني أن تكون متميزًا، وأن تكون مميزًا يعني أن تكون خاصًا في تعاملك مع ما تكتشفه من حقائق، وتلك الخصوصية تعني شيئًا لا تعرضه على الغادي والرائح، تطلب به الاستحسان العارض، بل يعني أن لا تغريك القطعان في قوة اندفاعها وعنفوانها، بأن تضع نفسك بينها، لتجرك إن عاجلًا او آجلًا معها إلى وهدة الوادي.

بل يعني أن ترى أن “غزية” كلها فردًا، وأنك فرد في المقابل، وأنك تعينها ظالمة ومظلومة كما في الأثر، فإن ظلمت تبرات من ظلمها وبذلت النصح والنهي، وإن كانت مظلومة سعيت لرد الظلم عنها، بكل ما أوتيت من حكمة وموهبة وإمكانيات وجهد.

 واضعين نصب أعيننا دومًا، أن نتقي أن نصبح ذات يومٍ، أفراد في جماعات قد تنطبق عليها، قولة نبي الله لوط، لقومه الذين أعماهم اعتياد الظلم والتجاوز حين يقول: ” أليس منكم رجل رشيد( 78 ) ” سورة هود.

 

شارك الآخرين ما قرأت

FacebookEmailDeliciousDiggGoogleStumbleuponRedditTechnoratiYahooBloggerMyspaceRSS