الرئيسية | فكر إسلامي | الأفكار الخاطئة وأثرها على الشباب الصوماليين(الحلقة السابعة)

الأفكار الخاطئة وأثرها على الشباب الصوماليين(الحلقة السابعة)

نبذة عن كمال الدّين شيخ محمّد عرب

avatar
طالب في جامعة نيروبي قسم الإدارة، حامل دبلوم في إدارة الأعمال، خريج ثّانويّة أحمد بن حنبل في كسمايو. مقيم في نيروبي-كينيا. له بعض المؤلّفات أشهرها رسالة (مشاهداتي في حيّ إسلي. دراسة ميدانيّة جديدة تتعلّق في إسلي) مطبوعة.
لحفظ الموضوع في جهازك:

حركة الشباب وسياستها العنيفة

مازلنا في حديثنا عن المفاهيم الخاطئة والأفكار الشاذة التي ظهرت حديثا في العالم عامة وفي الساحة الصومالية خاصة، ولا سيما بعد أن انتشرت أفكار شاذة في الصومال انتشار النار في الهشيم؛ حتى جعلت البلد حصيدا كأن لم يغن بالأمس، الفكرة ببساطة تقول: “أنا على حق وغيري على باطل”، فكرة أزهقت بسببها نفوس نجوم الوطن وكواكبه الذين كانوا في الريادة، فكرة قتلت وشردت مئآت من أفراد الشعب الصومالي الذي يعاني الضياع في أنحاء العالم بحثا عن ملاذ وملجأ لأنفسهم المرهقة من الترحال والسفر المستمر.

حركة الشباب المجاهدين -حسبما سمت نفسها- رغم أنها كانت هي التجربة الوحيدة التي استطاعت أن تعيد الأمن والاستقرار في الصومال بطريقتها الخاصة؛ حيث حكمت -فترة من الزمن- أجزاء واسعة من الصومال بيد من حديد أو يد فولاذية كما يقولون، إلا أنها كانت معضلة ومشكلة تقف أمام إيجاد دولة ونظام للشعب الصومالي؛ ليخرج الشعب من تحت نظامهم القاسي، وكانت الحركة أيضا مع إداراتها الصعبة تصدر أوامرها القاسية على حساب الشعب الصومالي الجريح، فكانت تقتل كل من تتهمه بأنه ضدها تحت ذريعة الجاسوسية حينا والوصف بالردة أحيانا أخرى، وهكذا أصبحت الصومال ضحية لتلك الأفكار التي لا ترحم.!

ومما يجدر ذكره هنا أن سياسة الحركة كانت تنص (الحكم بالقتل والرجم  على كل من يعارض فكرة الحركة) حسبما أشرنا في حلقاتنا السابقة؛ ولذلك كان يتعرض كل من ذكر شيئا عن سياسة الحركة إلى مجهولات وضرب وتعذيب، وكانت الحركة أيضا تعذب كل من تراه يستمع إلى موسيقى أو أغاني، كما كانت تبحث وتدقق الملفات المخزونة في الهواتف الشخصية المحمولة، وأيضا كانت الحركة تجبر الناس على الاستماع والحضور إلى محاضراتها وإغلاق محلات التجارة والأسواق أثناء المحاضرة، وكانت تسجن من لا يحضر ويستمر في تجارته، كما كانت تضرب الناس حينما يؤذن المؤذن للصلاة لإدخال جميع الناس في المساجد، ولم تكن تفرق بين المسافر و المقيم، ومنعت الحركة أيضا بأن يقف رجل مع امرأة في طريق،  وإذا رأت ذلك كانت تقبض الرجل والمرأة معا، وتضربهما أمام حشد كبير من الناس؛ وقد سمت أعمالها تلك بـ (التعزير).

أما شباب الحركة فكانت هذه الأمور مباحة لهم؛ حيث ترى بعضهم يستمعون الأغاني والموسيقي ويغازلون الفتيات في الطرقات، “لاتنه عن خلق وتأتي مثله…. عار عليك إذا فعلت عظيم”

وكانت الحركة أيضا تضرب الفتيات بسبب أنهن غير متحجبات، فكان أمراً عاديا أن ترى في الطرقات شابا من الحركة يجري وراء فتاة غير محجبة -حسب رايه- ليضربها، مع العلم بأن مصطلح الحجاب في اللغة هو الستر، ويقول الدكتور يوسف القرضاوي في حوار لقناة الجريرة ضمن برنامج الشريعة والحياة حول حقيقة الحجاب فأشأر قائلا: هو (أن تغطي المرأة جسمها ما عدا الوجه والكف) وأضاف الدكتور بأن كلمة الحجاب هي كلمة شائعة ليست خاصة بلباس من نوع واحد، أما الآية التي تقول في سورة الأحزاب (يدنين عليهن من جلابيبهن)  فقد اختلف العلماء في تفسير كلمة الجلباب، وهي مفصلة في الكتب والمراجع الإسلامية، وليس قصدنا بأن نسرد هنا ذلك الخلاف حول هذه المسالة؛ لكن كلمة الجلباب في القاموس العربي هو الثوب المشتمل على الجسد كله.

 أما حركة الشباب فقد أجبرت النساء الصوماليات على نوع خاص من اللباس الغليظ، ومن لا ترتدي ذلك النوع من اللباس تتعرض لسجن أو ضرب من قبل شباب الحركة، وذلك يدل على قلة العلم والفقه وقلة الحكمة السائدة في أوساط الحركة، و بالنسبة للرجال فكانت الحركة تقطع منهم السراويل بشكل مبالغ  حتى وإن كان الطول دون الإسبال الممنوع، وما كانت تفرق في ذلك بين شيخ كبير وشاب، كما كانت الحركة تسجن كل من حلق لحيته ولم يقصر شاربه، وباختصار تدخلت الحركة خصوصيات الأشخاص في كل جوانب الحياة.

 وهذا مما أدى إلى أن تفقد ثقة الجماهير العامة والخاصة في داخل الصومال وخارجه.

و الغريب أنه ما أن ينضم الشاب إلى حركة الشباب إلا و يصبح فارس زمانه وشيخ وقته تراه يكفر العلماء ويتكلم في مسائل كبيرة ومعقدة؛ لكن العاطفة والحماس فقط يقودانه، فكم رأيناهم على هذه الشاكلة، وادعوا الله بأن يهديهم ويضيء لهم الطريق الصحيح، وأن يغسل في أذهانهم ما ران فيها من أفكار شاذة ومفاهيم خاطئة مليئة بالتطرف والغلو الحرام، هل الدين ما أنزل الله على رسوله أم إن الدين هو الحركة نفسها؟ و إذا كفرت الحركة كل مخالفيها كمن خالف الدين الإسلامي التي أنزل على نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم؛ فماذا يبقى لها؟

وخلال لقاءاتي مع الأصدقاء الذين كانوا في تلك الأعمال لاحظت بأن الحركة تفتقر إلى المنهج الصحيح لسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وجهاده، وكيف كان يدير أمور الأمة بحكمة بالغة وبوجه باسم يتلألأ نورا، لكن يبدو أن الحركة لم تستفد من هذا المنهج الذي كان يقوم باللين والرأفة، بل كانت إدارتها وبدون مبالغة إدارة وحشية خالية من الرحمة؛ لذلك كانت الحركة تتخبط خبط عشواء، ولم تكن أيضا سياستها وجهادها على ضوء الكتاب والسنة؛ بل يمكن القول بأنها كانت  مجرد عاطفة وحماسة ملأت العالم ضجيجا وصراخا، ولا سيما في الصومال  الجريح.!

وقبل أيام أشار لي أحد الأصدقاء -أثناء محادثتي له عبر الفيس بوك- بأن أطالع كتاب(إدارة التوحش) لمؤلفه(أبي بكر ناجي)-ومؤلف الكتاب يرتبط بالقاعدة أيديولجيا لا تنظيميا كمايقولون- لكوني أكتب حول الأفكار الخاطئة فاستحسنت فكرته وقرات الكتاب بأقل من ساعتين، وباختصار يتكلم الكتاب عن إدارة التوحش، وهي كيف يدار  بأفاعيل الكفار والجواسيس-حسبما ورد في الكتاب- تجاه المسلمين، حتى وإن كان الأمر يقتضي بذبحهم وتشويههم؛ بحيث ورد في الكتاب أثناء حديثة لعقاب العيون والجواسيس “ويجب العقاب والقتل عليهم-أي الجواسيس- بكل الوسائل والطرق التي يرونها حلا للمجاهدين”، الكتاب مليء بأفاعيل قاسية وتذكرت أثناء قراءتي للكتاب بعض أفعال حركة الشباب الوحشية وإدارتها القاسية، ونسأل الله أن يهدينا إلى سواء السبيل.

انضمام الحركة للقاعدة

أعلنت حركة الشباب انضمامها إلى القاعدة في عام 2009 في شريط مصور ذكر فيه قائد الحركة المعروف بــ (أبو زبير) ولاءهم لإخوانهم في تنظيم القاعدة والقائد الأعلى أسامة بن لادن -على حد تعبيره- وتعليقا على هذا قال وزير الإعلام الصومالي في الحكومة  الانتقالية السابقة عبد القادر حسين محمد في بيان “إن هذا ليس بجديد علينا، لطالما عرفنا أنهما جماعتان متشابهتان في الطول والعرض.

  وأضاف قائلا: “إن قادة الشباب عملاء مأجورون وممثلون للقاعدة، وهي منظمة إرهابية أجنبية ملتزمة في نشاطات غير إسلامية تهدف إلى قتل المدنيين الصوماليين المسلمين الأبرياء”.

وكانت العلاقات بين القاعدة وحركة الشباب سابقا قائمة، بحيث كانت الحركة تتلقى المشورة والتدريب من بعض أعضاء القاعدة كما هو معلوم لدى الجميع.

وتجدر الإشارة إلى أن قائد الحركة (أحمد عبدي غودني) وصاحبه (إبراهيم جامع ميعاد) تلقيا تدريبات في الخارج وشاركا الأعمال الجهادية في أفغانستان ونهلا من معين أفكار القاعدة هناك.

ومن الأسباب التي أجبرت الحركة للانضمامها إلى تنظيم القاعدة ما يلي:

  • انهيار اقتصاد الحركة بسبب معاركها الطويلة والخسائر الفادحة التي لحقتها أمام هجمات قوات أميصوم في العاصمة الصومالية مقديشو؛ لذلك احتاجت الحركة إلى دعم لوجستي وتمويل للنهوض من كبوتها  بسبب حروبها المستمرة، أيا كانت الأسباب التي أدت إلى انضمام حركة الشباب إلى قائمة القاعدة فإن الحركة قد أصبحت جزءا من القاعدة منذ ذلك الحين، وأدى انضمامها بأن أصبحت الحركة هدفا للقصف الأمريكي بحرا وجوا وبراً وفقدت بذلك  قيادات بارزة من مؤسسيها.

كلمة الردة واستعمالها عند الحركة

وفي البداية أود أن أشير مفهوم هذه الكلمة وقول العلماء في تعريف الردة:

الردة لغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره قال الله (ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) المائدة121

وشرعا: رجوع المسلم العاقل البالغ عن الإسلام إلى الكفر باختيار دون إكراه من أحد سواء كان ذكراً أو أنثى.

فالمسلم لا يعتبر خارجًا عن الإسلام، ولا يحكم عليه بالردة إلا إذا انشرح صدره بالكفر، ‏واطمأن قلبه به ودخل فيه بالفعل، لقول الله تعالى: (ولكن من شرح بالكفر صدرًا) ولما كان ما في القلب غيبًا من الغيوب التي لا يعلمها إلا الله، كان لا بد من صدور ما يدل ‏على كفره دلالة قطعية لا تحتمل التأويل، حتى نسب إلى الإمام مالك أنه قال: “من صدر ‏عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهًا ويحتمل الإيمان من وجه حمل أمره على ‏الإيمان”.

 والنصوص التي وردت في حماية وصيانة دم المسلم الحرام كثيرة منها: (والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) (1) ويقول أيضا: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما)(2)   ويقول أيضا: ( إن كسر عظم المؤمن ميتا مثل كسره حيا)(3) والآيات التي وردت في شأن حرمة دم المسلم حدث عنها ولا حرج.

أما حركة الشباب في الصومال فاستعملت كلمة الردة لمخالفيها ومعارضيها، وانحرفت عن المفهوم الصحيح للكلمة، لتستبيح دماء المسلمين وإزهاق أرواحهم؛ حيث أصبحت هذه الكلمة لقمة سائغة في أفواه شباب الحركة، وتخطت الحركة كل هذه النصوص التي وردت في حرمة دم المسلم كما أصمت الحركة آذانها عن أفكار الناس وآرائهم ومشاوراتهم، ويمكن القول -وبدون مبالغة- بأن نظام الحركة كان ديكتاتوريا لا يعرف سوى لغة القتل وإزهاق الأرواح، ويكفى قلة حكمة حركة الشباب بأنها سيطرت أجزاء واسعة من الصومال ووجدت جوا خصبا وفرصة ثمينة تمكنها من أن تكسب فيه قلوب الناس باللين والرأفة؛ لكنها لم تفعل ذلك بل استمرت في عنادها وأوامرها القاسية المفروضه على الشعب بواسطة تلك الإدارة الوحشية التي كممت أفواه الناس، وجعلتهم في كابوس مظلم، بالتالي أصبح البلد قاعا صفصفا لا ترى فيه عوجا ولا أمتا!.

  • الهوامش

1-أخرجه: النسائي 7/82 وفي الكبرى ، له ( 3448 ) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما

2- أخرجه: البخاري 9 / 2 (6862)

3- أخرجه: بهذا اللفظ ابن الجارود (551) وأخرجه: أبو داود ( 3207 )، وابن ماجه ( 1616 ) بلفظ :[1].

---------------- هوامش -----------------------
  1. كسر عظم الميت ككسره حياً []

أضف تعليقا