الرئيسية | ثقافة واجتماع | ألم أقل لكم من قبل؟!

ألم أقل لكم من قبل؟!

Listen

لم يخطر ببال الكثيرين أن تحوّل التحيّز القبلي، إلى وحش يدمّر كل شيء، سيكون له آثار أبعد من تفكيك الكيان السياسي الصومالي، ليصل إلى مسخ الهوية الثقافية والدينية والوطنية الصومالية، ويجعلها  شيئًا دميمًا يستوجب الفرار منه بكل اتجاه، ناهيك عن ما لم يقصّر في ترسيخه من شناعات، أولئك الساسة القبليون بكياناتهم القزمة، ومواقفهم الانتهازية المثيرة للاشمئزاز، كما لم يقصّر في نزع الثقة من قلوب فئات عريضة من الصوماليين، ما قام به المستظلون تحت رايات الشعارات الإسلامية.

وكوننا نعيش في مجتمع سليط اللسان ـ ولا شكّ ـ، فلا أحد يحبُّ أن يلعب دور “النذير” الذي ينقل الأخبار السيئة، ما لم يكن مفهومًا هدفه من شحن المتلقين منه، المستمعين غالبًا ـ وليس القارئين ـ، فالمعتاد في ذلك المجتمع، أن يكون التنديد موجّهًا لفئة محددة، وفي بقعة محددة، بناءًا على أحداث ماضية محددة، وأن تكون الخطوات المتّبعة تجاهها محددة، لا تخرج عن “رشوة” المتحدّث، بجمع المال له ليقوم “هو” بما يراه مناسبًا، تجاه الخطر الذي صدّع رؤوسهم به، حتى لا يقول هو ـ أو غيره ـ  عن القوم، أنهم لم يقفوا ضد الخطر كما فعل غيرهم”المحدّدون”، حين أنذرهم فلان بن فلان، عن خطر بني فلان على كذا وكذا من حقوقهم  أومصالحهم أو حتى أطماعهم!

ولأن ذات السيناريو يتكرر دائمًا، وبشكل مكثّف للغاية، فقد قاد الأمر إلى حالة ارهاق واستنزاف، لجموع الكسالى البلداء الذين يفضّلون أن يقوم أحد ما بالتفكير نيابة عنهم، والتصرّف نيابة عنهم كذلك، كيف لا وكل يومٍ هناك من يطالبهم، بـ”لحلحة” جيوبهم بعد أن يستولي على مسامعهم ويرهق أعصابهم بما يحمل من قسوة في الخطاب، وإثارة للنخوات والعصبيات والحمية، ليصل هو في النهاية إلى النتيجة المعتادة، من الحصول على المال المطلوب للقيام بالمهمة الجليلة التي تطوّع ليقوم بها، محتسبًا لنفسه وبكرمٍ بالغ نسبة “العاملين عليها”، ويقوم بشيء من الاستعراض، تسانده جوقة من المطبلين، ليُرِيَ المتابعين عرضًا رائعًا يستحق ما تم تبديده من مال لتتم مشاهدته .

وإنني وإن كنت أرغب وبشدّة، في تتبع جذور تلك المسألة، وطرح أقدم ما نذكره من صورها، فإنني مضطر لضيق الحيّز أن أضرب صفحًا عن ذلك ـ مؤقتًا ـ، والحديث عن تأثير ذلك على مجتمعنا الصومالي ـ كلّه ـ اليوم، دون استثناء لمنطقة أو إقليم أو قبيلة، أنا المؤمن بأن الإنسان السوي المدرك لذاته، وقصر عمره وما أمامه من موت وبعث وحساب، والمعاين لثبوت حقيقة أن “كما تدين تدان”، لا يمكنه السكوت أو التعايش مع ما يجري في مجتمعنا الصومالي جملة.

أحبتنا لقد استمرّ الشحن والاستثمار في الحزازات لفترة طويلة، طويلة جدًا حتى كادت تكون تلك الحالة، هي السمة الثقافية للصومال والصوماليين، ليس في نظر “الغريب” فهو آخر همّنا، بل في نظر أجيال وُلِدت وصعدت، وأصبح أبناؤها في العقد الثالث والرابع من العمر، وكل ما نراه منذ عقود يدفع النشء من أبنائنا وبناتنا، إلى التحرّك بعيدًا عن هويتهم وانتمائهم الطبيعي لشعبهم ومجتمعهم وجالياتهم، وأصبح الحديث عن ما هو “طبيعي” لدى الشعوب الأخرى، من التفكير في مجرّد العودة وبناء بيت أو مشروع في أرض الوطن، غائبًا بل ومستهجنًا، ليس لغياب الأمان أوالشعور بالطمأنينة لمستقبل الوطن، بل  لأن الصوماليين شبابًا وفتيات، أصبحوا يربطون بين فكرة الوطن، والصراع القبلي المليئ بالدناءات وإنعدام المروءة والأخلاق، فمن ذا الذي يريد أن ينتمي لكل ذلك القدر من القبح؟!

ولأنه أصبح من السهل جدًا حصار من يتحدّث عن ما هو “عام”، يشمل أبعد من قبيلة معيّنة أو منطقة معيّنة أو إقليم معيّن، فقد أصبح من السهل على أبنائنا اللجوء للتطرّف، حين يجدون أن كل قيمة “وطنية شاملة” أصبحت ملوّثة، ولسنا نشكّ في أن الدافع الوطني، واليأس من المجتمع والجالية والأسرة، وحتى اليأس من النفس، هو البنك الذي رَفدَ، وسيرفد التطرّف في أنحاء البلاد، بالمزيد من المستعدين لتفجير أجسادهم ضد العدو ـ أيًا كان ـ حتى وإن كان سيأخذ معه إلى الجنّة، بضع عشرات من الضحايا الصوماليين الأبرياء .

وليس ما لمسناه كذلك في الفترة الماضية، من خلال الاحتكاك المباشر والتواصل، من تساقط العشرات والمئات بل قل والآلاف، من أبناء شعبنا في أشراك ذهنية، وكل هدفهم التمرّد “اليائس” على الوضع جملة، فلا غرابة في أن نتعرّض في مجتمعاتنا للهجوم من قِبَل من يدّعي أنه قد أصبح “مستبصرًا”، في بحثه عن قضيّة “نقيّة” يدافع عنها، أو من يأتينا بمقولات (لاأدرية/ أغنوستية)لا تبتعد قيد أنملة عن حالة الشكّ العميق الذي أصبحت محور تفكيره، وتستنفده وهو عالقٌ لانعدام الهدف في لجّة التهتّك والإدمان.

من كل ذلك نجد أن العدو ما عاد دول الجوار، أوحتى القبائل المجاورة، العدو أصبح تلك القنابل الموقوتة في عقول وقلوب أبنائنا وبناتنا، ومع استمرار الضجيج المتحيّز وخطابات الحقد والكراهية، التي يصيح بها الكثير من الجهلة وأتباع الجهلة دون خجل أو حياء، نبقى نحن نسمع دقات ساعات تلك القنابل الصغيرة، المرشوقة في مجتمعاتنا وجالياتنا، تنتظر لحظة العودة إلى الوطن، لتنفجر في وجوهنا، وتوسّع رقعة التناحر لينتقل من مرحلة الحرب بين الدول، إلى ما نعايشه من صراع قبلي مموهٍ، إلى معارك يومية تدور رحاها بين الدور وضمن جدرانها، ولستُ أتمنى أن يأتي يومٌ أقول فيه: “ألم أقل لكم من قبل؟!”.

صدمة:
أرسل إلي أحد الأحبّة رابطًا، في رسالة عنونها، بـ(أما آن لك أن تيأس يا عبدي؟!)، انقبض قلبي وضغطت على الرابط، وكان مشهدًا لمطربة صومالية شهيرة، كانت تؤدي إحدى أكثر أغانيها “غنجًا” و”دلالًا” باستمتاع بالغ، حتى تعرّضت فجأة وهكذا لهجوم مباغت من الخلف، تلقت خلاله لكمة على فكّها، أسقطتها من خشبة المسرح، على الأرض بعد أن هوَت مسافة تزيد عن المتر، شعرّتُ بِذُعر حقيقي من المنظر، في ما يسميه الصوماليون “Qosol Gariir”.

عن محمود محمد حسن

avatar
محمود محمد حسن عبدي باحث وشاعر صومالي، مقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة.

2 تعليقات

  1. قبل كل شيء أشكرك على هذا المقال الرائع الذي يتلكم عن واقعي الصومالي الجريح …
    ذكرت في كلامك ان العصبية هي سبب الرائسي لتشتت شعب الصومالي , وانا لا اخالفك في هذا لكن هذا العصبية القبيلية كانت
    موجودة في الصومال قديما لكن من جعلها واستخدمها بطريقة غلط هي السياسة ومصالحة بعض الافراد ودول الخارجية .

    وشكرا

  2. avatar

    شكرا لك كاتبنا العزيز واستادنا الفاضل علي هذالطرح الرائع الذي حوي في جنباته حقائق كثيرةومشكلات عصيبة في اوساط شعبنا

أضف تعليقا

إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: