رحلة الشتاء

Listen

   عندما يحين موعد هجرة الشمس والطيور من شمال الكون شتاء كل عام، يعلن النهار انتحاره، وتنقل رفاته على عجل إلى مقبرة الزمن.

ولأن الطبيعة لا تؤمن بالفراغ، ولا يستحق البقاء سوى الأقوياء، يزحف الليل البهيم  بجبروته على اُصول وممتلكات النهار، فلا فجر هنا ولا ضحى، ولا شمس تتعامد في كبد السماء،  ولا أحد يؤذن  للمغرب .

انتصر برد الليل وظلامه على دفيء الشمس ونورها، وحطت عواصف الثلج رحالها فوق أغصان الشجر  وعشب الارض، ودخل الدب القطبي بياته الشتوي، وفرض قانون الطبيعة أن تستمر الحياة  سرمد الليل المقيم.

عندها تضطرب المواقيت عند المؤمنين بالغيب المقيمين للصلاة، فيرفع أصحاب الذقون الطويلة عقيرهم؛ لتذكير أهل الشك وأهل إيمان العجائز  على حد السواء  “إن الدين صالح لكل زمان ومكان” حتى وإن  هاجرت الشمس عن بعض بقاع العالم.

هنا يحل الاجتهاد الفردي محل الشمس (المحدد الرئيسي والوحيد لأوقات الصلاة في بلاد المسلمين) وبذلك تجد من يصلي حسب مواقيت أنقرة بحجة أنها أقرب بلاد المسلمين إلى الشمال، ومن يصلي حسب توقيت مكة بحجة أنها مهد الإسلام، وآخر يصلي على توقيت مقديشو بحجة أنه كان يصلي على هذا التوقيت قبل هجرته إلى بلد تهاجر عنه الشمس.

وصل الاجتهاد الفردي الذي تطور مع الأيام في النضال الفكري الدؤوب للتوفيق بين شروط الدين وقوانين الطبيعة إلى مرحلة الافتاء بأن صلاة العشاء هي الفريضة الوحيدة التي على المؤمن أدائها مرة  كل 24 ساعة عندما ينتحر النهار  وتهاجر الشمس عن شمال الكون، وحجة أهل هذه الفتوى هي عدم اكتمال شروط أداء الصلوات الأخرى، فلا يصح إقامة صلاة الظهر والعصر  على سبيل المثال في جوف الليل البهيم.

  أما سند فتوى هذه الجماعة فقائم على إجماع علماء الأمة  قبل ألف عام أو يزيد “بأن الصلاة  لا تقبل عند الله مالم تستوف جميع شروط أدائها”.

كما أضافوا إلى ذلك، عدم جواز  أداء فريضة الصوم في شهر  رمضان صيفاً، أو  عندماً تهاجر  الشمس من شمال الكون، وذلك بنفس حجة عدم اكتمال الشروط.

شمس الشمال تقتل الليل  في أشهر  الصيف،  فلا شروق هنا ولا غروب،  ولا يحزنون، نهار  سرمدي و شمس في كبد السماء، وبذلك ينتفي شرط الإفطار عقب غروب الشمس؛ لأن الشمس أبت أن تغيب!

وما يصدق على أشهر الصيف، يصدق أيضاً على فصل الشتاء، فعقب هجرة الشمس لا يبقي سوي الليل، والصوم في الليل بعدة  هكذا يقولون.

هجرة الشمس عن شمال الكون، وفرض قوى الظلام حجابها على نور الشمس تثير عند  كاتب هذه الأسطر  غريزة الترحال و التنقل الكامنة في جوف رعاة الإبل في براري بلاد الصومال، فيبدأ في الفرار نحو الجنوب هربا من عواصف الثلج  والليل الدامس.

 والجنوب عند هذا الهارب لا يعني سوى هواش/هواس موطن أول إنسان عرفه  التاريخ السيد/ Homo sapiens (صاحب العمود الفقري المستقيم  الذي وقف على قدميه) حسب نظرية التطور عند دارون ومن ينسج  على منواله من علماء الفكر البشري القائم على العقل وثقافة السؤال، والتجريب وليس ثقافة النقل والاستسلام  للنص.

لا يكتمل الفرار إلى هواش هذه الأيام إلا بالهبوط في مطار  عاصمة الحبشة  لا مقديشو؛ لأن الأخير  أصبح مكهرباً بتجار  دين رفعوا شعار تحرير القدس من قبضة اليهود مقابل إبادة  الشعب الصومالي، ومحو لغته وما تحمل من ثقافة.

 ومن يرفع عقيرته على خلاف ترهات هذا الهوس يقصف رأسه، وكأنه ثمرة قد أينعت، وحان وقت قطفها، فالحجاج بن يوسف الثقفي مازال صاحب السلطة والكلمة الأخيرة.

ولفظ “الحبشة” المذكور أعلاه (إن عدنا إلى ما كنا عليه) يعني عند بعض اللغويين العرب “الأجناس المختلطة” وهو تفسير مطابق لواقع أديس أبابا والوطن و الإثيوبي على مر الدهر  والقرون.

فالمجتمع هنا جمعي (Plural)، أسسه القدر (كما يقال) على شكل بوتقة فسيفساء متعددة العرق الثقافة واللغة، و فرضت عليه ظروف الجغرافيا والتاريخ التكيف مع هذا الوضع منذ أن وقف السيد Homo -sapiens  على قدميه.

 ومن البديهي بعد ذلك القول بأننا كأفارقه لم نصب بجرثومة مرض الفصل بين الشعوب، وتقييد حركة البشر  في حدود سياسية عرجاء قبل قدوم الرجل الأبيض إلى عقر دارنا.

 إلا أن ما يلفت نظر الزائر لأديس أبابا هذه الأيام  هو اقتصاد “التعمير ” والتوسع الرأسي في البناء على شكل أبراج  شاهقة تعانق السماء، سواء  في كل من مركز  المدينة أو أطرافها. هذه الظاهرة تعطيك إحساس غريب بأنك في عاصمة دولة بترولية عربية حديثة العهد بالثروة والجاه، وتسابق الزمن للخروج من شرنقة خيمة البداوة بغرض اللحاق بآخر عربة في قطار مجتمع ما بعد الحداثة.

يواجه جنون إقامة الأبراج الشاهقة معارضة مكتومة من قبل شرائح سياسية واسعة تتهم الحكومة بطرد غالبية أهل المدينة (سكان العشوائيات الفقراء) إلى العراء وبيع العاصمة للرأسمال والمستثمر  الأجنبي الذي لا هم له سوى جنى الآرباح،  إلا أن قافلة اقتصاد “التعمير” سائرة في طريقها رغم نباح المعارضة المكتوم.

فمشروع “سكة الحديد” لربط كل أقاليم إثيوبيا في بعضها أصبح حقيقة ملموسة، و مشروع ربط أحياء العاصمة بقطار سريع  لم يعد حبر على ورق،  ومشاريع السدود الإثيوبية بغرض توليد الكهرباء تثير المشاكل مع الداني والقاصي بما في ذلك الجارة كينيا التي انضمت مؤخرا للدول المناوئة لإقامة هذه السدود بحجة أنها تجفف بحيرة تانا،  ومع ذلك يجري العمل على قدم وساق؛ لإنجاز كل هذه المشاريع وفق الخطة المرسومة رغم أنف المعارضة الداخلية والدولية.

سياسياً،  يسيطر تحالف: (EPRDF)   Ethiopian People’s Revolutionary Democratic Front على الحكم في أديس أبابا، ويتكون هذا التحالف من 4 أحزاب سياسية تمثل 4 قوميات هيOromo Peoples’ Democratic Organization (OPDO), the Amhara National Democratic Movement (ANDM), the South Ethiopian Peoples’ Democratic Front (SEPDF) and the Tigrinya Peoples’ Liberation Front (TPLF).

 الملفت للنظر في هذا الموفق هو غياب أحزاب سياسية تمثل القومية الصومالية و العفرية وثلاث قوميات أخري من  هذا التحالف السياسي الحاكم في دولة واعدة، ذات أهمية اقتصادية و سياسية بالغة،  ويفوق تعداد سكانها الـ 80 مليون نسمة.

غياب حزب سياسي يمثل القومية الصومالية في التحالف الحاكم  ليس سوى عرض Syndrome مرضى اجتماعي وسياسي  يدل على مدى تدني كل من  الشعور القومي  والسياسي عند أبناء العشائر  الصومالية القاطنة في تلك المنطقة.

 إلا أن الحقيقة التاريخية الموثقة تؤكد أن تحالف الـ ( EPRDF) الحاكم  تكرم مشكوراً بتكوين حزب (The Somali People’s Democratic Party ) ليدور في فلكة مقابل تولي السلطة في الأقليم الصومالي الذي عجز  القادة السياسيون الممثلون لسكانه عن السعي للانضمام للتحالف الحاكم في الوقت المناسب، وانتزاع حصة الشعب الصومالي من المشاركة في الحكم على المستوي الفيدرإلى.

الخبر  المفرح جداً عن إقليم الصومالي الإثيوبي هذا العام هو تسجيل أكثر من مليون تلميذ في الصفوف الدراسية للمراحل التعلمية الثلاثة المعروفة إلى جوار  برامج تحفيز خاصة، الغرض منها تقليل انقطاع التلميذات المبكر عن المدرسة.

اقتصاديا، يتبع  نظام التحالف الحاكم في إثيوبيا والمعروف بـ (EPRDF) كما سبق الذكر  نظام اقتصادي شبيه بالديموقراطية الاجتماعية (Social Democratic)  المطبقة في  شمال أوربا،أو قل نظام شبيه بنظام (Market Socialism) الذي كان مطبقاً في يوغسلافيا السابقة، أي بمعني ملكية الدولة لكل المصانع والمشروعات التنموية والاستراتيجية، وترك الحبل على الغارب لما هو دون ذلك المستوى.

 من جانب آخر  يتميز  الانفتاح الاقتصادي الإثيوبي ( على سبيل المقارنة) عن الانفتاح الاقتصادي المصري بعدم استضافته لبنوك أجنبية في تراب بلادة، وعدم التصريح للشركات التي لا تساعد في إقامة وتقوية البنية التحتية، (أي الشركات الهادفة إلى الكسب السريع  والمريح  كشركات مطاعم الوجبات السريعة الأمريكية المنتشرة في القاهرة مثل Wimpy, Kitacky fried chicken (krf)   وغير ذلك من الشركات المتطفلة على الاقتصاد الوطني)  بمزاولة أنشطتها التجارية فوق تراب الوطن الإيثوبي.

كما يعتبر  حزب تحالف (EPRDF) الحاكم، الحليف الرئيس للحزب الشيوعي الصيني  في القارة الإفريقية، وعلى هذا الأساس  يتولى الخبراء الصينيون مع  نظرائهم  الإثيوبيين مسئولية تخطيط و تنفيذ مشاريع تحويل المجتمع الإثيوبي من مجتمع ريفي متخلف يعتمد على اقتصاد الزراعة والرعي كمصدر  للدخل القومي إلى مجتمع تقنى قادر على مواجهة تحديات العولمة، ومتطلبات مجتمع ما بعد الحداثة.

ومع كل هذا الجهد المبذول من قبل التحالف الحاكم  مازالت نسبة البطالة بين الشباب الإثيوبي عالية جداً، وما زالت المرتبات غير قادرة على تغطية نفقات الأسرة، وما زال التبرم الاجتماعي ضد  تصدير المنتوجات الغذائية إلى الخارج بحجة أنها سبب ارتفاع تكاليف المعيشة والمجاعة المستترة في الداخل قائماً.

 ومع ذلك  هناك اعتقاد راسخ، وأمل قوي في إحداث نقلة نوعية تاريخية في الاقتصاد الإثيوبي عقب بدء انتاج الطاقة النظيفة من السدود المائية، وبدء تصدير الفائض من  هذه الثروة المتجددة والغير قابلة للنضوب إلى كل من يرغب، إلى جوار استكمال  شرائح أخرى من مشاريع البنية التحتية الجاري تنفيذها على قدم وساق.

وفي المقابل تتسابق معاول أبالسة تجار  وأمراء وأغنياء الحرب مع معاول شياطين الإسلام السياسي وفقهاء التطرف والتسول من الخليج في هدم الوطن الصومالي، وتفتيت وحدة ترابه، وإفناء شعبه بكل الوسائل الممكنة والغير ممكنة مثل: الإبادة الجماعية، والتهجير  والتشريد، والتجويع، والتمييز، والإفقار، وخلق المجاعة، والاغتصاب، والحكم بالرعب، والارتزاق بالبندقية، والتجهيل الجماعي، ومحاربة تطعيم الأطفال من الأمراض السارية والمعدية، وإعاقة إعادة بناء مؤسسات الدولة، ومنع عودة الاستقرار  والأمن والنظام، وتحويل القات إلى ضرورة يوميه، والغذاء الرئيسي في بيت كل أسره صومالية.

عن أحمد عثمان محمد

avatar
ناقد اجتماعي، ولد فى أحد مضارب البدو الرحل جنوب مدينة جمامة، حفظ القرآن فى الدكسى وتلقى الفقه فى بيت والده. أتم الثانوية العامة فى كسمايو. خريج جامعة عين شمس. حاضر في علم نفس النمو فى معهد للمعلين فى ولاية (كنو) فى شمال نيجيريا. متعدد اللغات. له مقالات منشوره بالعربية والإنجليزية والصومالية. مقيم فى شمال النرويج ويعمل فى مجال إعادة التوطين.

6 تعليقات

  1. اضيف صوتي الي صوت الأخ المعلق “متسائل” واقول بكل وضوح : هذه المقالة هي اسوء ما قراته قي رحاب شبكة الشاهد…

  2. avatar

    احترم رايك ونقدك واختلاف الراي شيء نحتاج له كقراء صومالين ولاكن اتمنى ان لا تبدا كل نقد بنقدك للدين لان دين الله كامل و منزل من العالم بخلقه فتشكيك لا احكام الله كصلاه والصيام لا ينقص ولا يزيدك الى الدنب وادا ارتد معرفه اوقات الصلاه مثلا في بعض البلدات التي تكلمت فيها يمكنك سؤال اهل العلم وهناك فتاوي كثيره من كبار العلماء بهدا المجال فمافي داعي تشكك باحكام الله لنقد موضوع اخر !! وخاف الله على نفسك اخي ..

  3. avatar

    لا أراك الا طاعن في الاسلام واهله ومروج للعلمانية

  4. avatar

    إن هذا الشخص يزدادو غرورً وإلحاداً يوماً بعد يوم ،ولا أدري هل يعاني مشكلة نفسية ؟ لماذا لا يعلل نفسه بسيء غير الدين الذي ما أن يكتب أسطر إلا وينقلب عليه بسهام التشنيع والتسفيه ؟ بعداً لك وسحقاً !! آلا تعرف كيف تكتب شيئا آخر إمدح من تشاء والعن ممن تريد لكن دع الدين وشأنه؟ لماذا لا تجيد فناً غير ولوغك أنفك في هذا الترهات ؟ أم أنت من صنيع أولياء نعمتك ؟ أم تسليطة شيطانية نسأل الله أن يذهبها بكلب من كلابه.

  5. avatar
    الصومال الكبير

    وفي صدر المقال حاولت اظهار الدين الاسلامي على انه دين إقليمي وليس دين عالمي لانه لم يضع في حسبانه توقيت وظروف الفطب المتجمد ولكن تجاهلت ان الدين الاسلامي مبني على الوسطية في تعاطي كل شيئ ولا حكم للامور الشاذة .
    اما فيما يتعلق بالقومية الني تناديها فنتيجتها واضحة في سوريا حيث سيطرت الأقليات غير الاسلامية ( نصاري - نصيريون او علوين - دروز - صابئة - ) على رقاب ومقدرات الاغلبية المسلمة تحت شعار القومية العربية فماذا كانت النتيجة طبعا الذبح والفقر والتشريد.
    اما اثيوبيا والصومال :
    فالصوماليون يتاجرون بالدين وحكام اثيوبيا لا يتاجرون بدينهم فهذا الكلام غير منصف , فماذا تفسر ان الحاكمين العسكريين في البلدين سقطا في وقت واحد ولكن الصومال أهملت أما اثيوبيا فتدفقت فيها الأموال والخبرات الغربية بسبب ماذا ؟ طبعا بسبب النصرانية .
    واخيرا النمو الاقتصادي الاثيوبي هش واعلامي- ابواق الغربية - و لان اثيوبيا دولة حبيسة تعتمد منافذ بحرية لدول الجوار .

  6. avatar

    من أسوء ما قرأت في شبكة الشاهد هذا الشهر

أضف تعليقا

إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: