الرئيسية | المجتمع والتنمية | التعليم | المناهج العلمية والخطر الذي يهددنا(٢)

المناهج العلمية والخطر الذي يهددنا(٢)

Listen

   تطرقنا في الحلقة الأولى إلى دور المناهج العلمية في تغيير المجتمعات وأثرها، ونتطرق في هذه الحلقة إلى موضوع هام حول واقعنا التعليمي وخلل المناهج المختلفة في البلاد، مع تقديم بعض الحلول والاقتراحات المتواضعة حول هذه القضية.

سطور مع الماضي

قبل أن نتحدث عن الواقع التعليمي أحب أن نجول دقائق مع الماضي ومناهجنا التعليمية، حتى يتسنى لنا الحديث عن الواقع؛ لأنه من لا يعرف ماضيه لا يحسن صنع مستقبله.

وكما هو المعلوم فإن أول حكومة صومالية تضع منهجا تعليميا وطنيا هي الحكومة العسكرية بعد كتابة اللغة الصومالية، بغض النظر عن اللغة التي استخدمت في كتابته، والتى أثارت جدلاً واسعاً يومها، ولكن مالا ينكره ناكر هو أنه كان المنهج الوطني الصومالي الوحيد طوال عمر الجمهورية الصومالية.

وهذا ليس فخرا، بل هو عار للشعب والوطن الذي بلغ من العمر عتياً أن يكون له منهج واحد طوال هذه الفترة، وهذه توحي لنا أن الصوماليين عقولهم فاضية، وبعضها متحجرة، وأخرى عقول جيدة؛ لكنها ملك للآخر، ولم لا؟ لأن الطالب الذي يتعلم منهج الدولة الفلانية بتفاصيلها وجغرافيتها، ويصير تلقائياً مواطناً من تلك الدولة.

ومع هذا التفرد والأسبقية لمنهج الحكومة العسكرية في سبعينيات القرن الماضي، إلا أن له كان إيجابيات وسلبيات كعادة أي عمل.

ونلخص فيما يلي البنود بعضاً من إيجابياته وسلبياته.

  الإيجابيات.

 تناسبه مع شخصية الطالب الصومالي.

  1. بث الروح الوطنية والتماسك الوطني.
  2. وحدة الرؤية الوطنية لكافة أرجاء الوطن.
  3. تكريس حب الوطن واستغلال ثرواته الطبيعية.
  4. مبدأ الاعتماد على النفس والإعتزاز باللغة الوطنية كونها لغة التعليم.

 السلبيات.

 خلوه من القيم والمبادئ الإسلامية.

  1. التقصير في جوانب الأخلاق والتربية الإسلامية وسير أبطال المسلمين.
  2. تكريس مبادئ الاشتراكية التي تتعارض مع شريعتنا الإسلامية.
  3. تعطيم شأن الثورة العسكرية لمصالح شخصية وحزبية على حساب المصلحة الوطنية.

واقع المناهج التعليمية في البلاد

لنعد إلى لب موضوعنا الرئيسي وبعد سقوط الحكومة المركزية، وقيام المؤسسات الاجتماعية دور وزارة التعليم بعد أن تهالكت جميع المؤسسات الحكومية  فقد منّ الله علينا رجالاً ونساءً قاموا خير مهمة، ولهم الأجر إن شاءالله، فأسسوا المدارس والمعاهد وخلاوي تحفيط القرآن الكريم، وغير ذلك.

إن لكل نعمة لها نقصان، ولكل عمل عيوب، فهذه المدارس والمعاهد كانت ومازالت تفتح عشوائياً، والكل يأخذ ما خطر  باله كمنهج تعليمي، وبعضها تفرضه المؤسسات الخيرية سواء العربية والغربية، ونتيجة لهذا الضياع ظهرت في جنوب الصومال مدارس تبشيرية نصرانية استفادت هذه الثغرات وليست حادثة (مركا) منا ببعيد.

إن أكبر ميزات هذا التعليم الأهلي هو تسلط اللغة العربية الشريفة على معظم دور التعليم في أرجاء الوطن، باستثناء إدارة -أرض الصومال- التي سرعان ما أخذت منهجاً صوماليلانديا، وبمساعدة الهيئات الغربية مكتوب باللغة الصومالية في المرحلة الإبتدائية والإعدادية واللغة الإنجليزية في المرحلة الثانوية، قد يسأل سائل لماذا أخذوا المنهج المكتوب بالصومالية؟ ببساطة نظام أرض الصومال،ماهو إلا وليد النطام العسكري ولذلك تطابقت رؤية الطرفين.

إلا أن هناك مدارس عربية تنتشر بصورة ملحوطة في الآونة الأخيرة مع تزايد المقبلبين للصحوة الإسلامية.

وقد يعارض كثيرون استخدام اللغة العربية كوسيلة للتعليم، ولكن فات الأوان، وحصلنا ما ابتغيناه دوماً، ولله الفضل، وبعدها الجماعات الدعوية والخيرية في الصومال، ولا يمكن إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء.

 وبعجالة نلخص المناهج التعليمية المختلفة :

  • المنهج الصومالي القديم: ويستخدم دور التعليم المتواضعة في الأقاليم والبادية.
  • المنهج العربي المنقول: وهي المناهج التي نقلت من السعودية واليمن ومصر، والمنهج السعودي هوالأكثر  انتشاراً.
  • المنهج السعودي الصومالي المختلط: وتستخدم المؤسسات التعليمية الكبرى (الإمام الشافعي) أنموذجاً، بالإضافة إلى بعض المواد الوطنية، كاللغة الصومالية، وبعض الفقرات مثل جغرافية الصومال وغيرها، وهو الأحسن حالاً مقارنةً مع البقية.
  • المنهج الإنجليزي: وهو المنهج الغامض المنقول من نيروبي والهند، بالإضافة إلى مادة التربية الإسلامية، واللغة العربية المستعارة من مدارس العربية.
  • المنهج السوداني: ويستخدم في بعض مدارس بونتلاند وصوماليلاند، وهذه المدارس تتبع مباشرة إلى وزراة التربية والتعليم في السودان، وتتميز بحصول الطالب على الشهادة السودانية والمنح التعليمية.
  • منهج اللغة الصومالية(UNESCO)وهو منهج تفرضه الهيئات الغربية أمثال اليونسكو، واليونيسف، ويسمونه بالمنهج الوطني الصومالي، ووضعوا في المقدمة شعار الجمهورية ووزارة التربية والتعليم؛ إلا أنني سميته منهج المكتوب باللغة الصومالية الذي لا صلة له بلحكومة الصومالية والشعب سوى أنه مكتوب باللغة الصومالية فقط.

وهل يصدق عاقل أن تلك الهيئات الغربية  التي تتربص للصومال، وتنهب ثرواته، وتأكل عطاياه المالية في نيروبي، هي التي تضع المنهج الوطني الصومالي.!!!

ويستخدم هذالمنهج في مخيمات اللاجئين في كينيا والصومال، وهو المنهج الرسمي لإدارات بونتلاند وبقية إدارات الأقاليم الوسطى والجنوبية، وأيضاً هو المنهج الحكومي في أرض الصومال بنفس المنهج لكنه بصيغة صوماليلاندية.

ولقد سمعت محاضرة للشيخ ألمس حاج يحي، وهو من كبار علماء أرض الصومال يقول”لقد اطلعت على المنهج التعليمي في أرض الصومال بمادة التربية الإسلامية من الصف الأول وحتى الصف الثامن فلم أجد إلا سبعة عشر آية من القرآن وبضعة أحاديث” والكلام مازال له، فأين المبادئ والقيم الإسلامية التي تتحدث عن الأخلاق والصدق وغيرها” انتهى كلامه.

 ناقوس الخطر

 لاينكر عاقل أن المسألة في غاية الصعوبة، والخطر يداهمنا في كل لحظة، وفي كل مكان، إلى أن أصبحت المقاهي والنوادي تضج ضجيج من يسمون أنفسهم بالمثقفين،  ثم تراهم لايجتمعون في قضية واحدة، ولم العجب!؟ فهذا تعلم في المنهج الغربي، وهذا تعلم بالصومالية، وذاك تعلم بالعربية وقلبه متعلق بالوطن العربي، وهذا جدال لا نهاية له؛ لأن اختلاف مناهجهم أدت إلى اختلاف عقولهم، وهذا أدى إلى اختلاف رؤيتهم للأمور.

قد يقول قائل هذا من سنة الله في الكون(أي الاختلاف) نعم، هو كذالك، ويمكن أن تختلف الآراء حول السبل، ولكن لا يمكن اختلاف الغايات والمقاصد، فهذه كارثة، ويجب أن يكون الإجماع حول القضايا الأساسية مثل الإسلامية والعروبة والوطنية ومصالح الشعب.

لكن مالا أجد له تفسير ، هو الجدال والتخاصم حول هذه الأساسيات.

ماذا ستنتج من هذه المناهج المختلفة؟

ستنتج شخصيات مختلفة منها:

- شخصية علمانية تضرب الدين والعروبة عرض الحائط.

- شخصية تدعي الإسلامية ولاتأبه للوطن.

- شخصية تقليدية غير مثقفة، وتتمسك بالصومالية التي راح عليها دهر من الزمن.

- شخصية متعلمة؛ لكنها ليست من الصومال، ولكنها من الدولة الفلانية والفلانية..

باحتصار  -ياسادة الكرام-  إن الموضوع شائك، ونحن نعايش في هذا الواقع، ولكن ماهو قادم أخطر، وناقوس الخطر قادم، وإلا كيف يمكن أن تكون جميع هذه الفئات في رؤية واحدة.

الظواهر السلبية نتيجة لهذا الاختلاف

 هذا التناقض بين المناهج التي تدرس في وطن واحد، بل وفي مدينة واحدة أو حارة واحدة، ولعله في بيت واحد تختلف مدرسة البنت عن الولد؛ مما أدى إلى ظهور ظواهر سلبية نتيجة للثغرات الكثيرة الموجودة في المناهج.

ومن أخطر هذه الظواهر ظاهرة التشدد والتطرف الجهادي الذي جاء نتيجة لخلل المناهج التعليمية بعكس ما يعتقده البعض أنها مستوردة، ولا أختلف معكم أنها مستوردة، لكنها ليست بالكلية، فبعضها صنع في الصومال، وإلا لما كانت هذه الظاهرة أن تنجح لولا الأرضية التي كانت ممهدة لها من قبل.

ويمكننا أن نتساءل، لماذا لا ينتشر هذا الفكر في صوماليلاند، أو بونتلاند، أو الأقاليم الوسطى، بكل سرعة يتبادر  ذهنك أن لهذه المناطق لها نطام وسلطات عكس الجنوب.

ولكن ماهو ردك عند السؤال عن نيروبي التي تكاد تفجيراتها تفوق تفجيرات مقديشو.

إنها المناهج التي هي سُلَم أي فكرة، ولكي أوضح لك الصورة أكثر وأكثر، المنهج العربي الإسلامي هوالطاغي في مدارس الجنوب وخصوصاً في العاصمة مقديشو وكسمايو، ويفتقد هذا المنهج المنقول التوازن والإعتدال، وتنعدم فيه المعاني الوطنية، وحتى لو حسنت نوايا القائمين عليه فإن  المصيبة هي المدرس غير الؤهل المتخرج في الثانوية أو حلقات الـ(حر  xerta )  ترى، هل يوازن الأمور ذاك الأستاذ ويتفهم الواقع ويوصلها للطالب أم يتصرف على هواه في كل كارثة تحدث في العالم الإسلامي، وأعني أن ذاك الأستاد هو صنيعة هذا الفكر التطرفي، وإلا فاسألوا الطلاب، كيف يشرحون المسائل الجهادية بدون مراعاة التوازن والإعتدال؛ بل وكيف بعضهم يفتون بدون علم على هواهم.

لا أعني أن دراسة باب الجهاد فيه أخطاء، بل والعياذ بالله هو من أهم أركان ديننا، ولكن ما أعنيه هو كيفية دراسته ومراعاة فهمه وأحكامه حتى يتسنى للطالب شيئاً فشيئاً أن يستوعبه بدون تطرف ولا علمنة.

وذلك لا يأتي إلا عن طريق أساتذة واعين، يعرفون دينهم ودنياهم، ويتحملون المسؤولية كاملة أمام الله تجاه  هؤلاء الطلاب.

ولازلت أتذكر  في أيام دراستي في مقديشو ذلك الأستاذ المتطرف الذي كان يكره العلم الصومالي الذي كان يرفرف في ساحة مدرستنا في ابتدائية مقديشو حتي نال منه يوماً أمام الطلبة، ووصفه بقطعة قماش لا نفع لها،  ولم يتركني ذلك الانطباع السيء مع أنني قاومته، فما بال الطلاب البريئين الذين يصدقون مثل هذه التفاهات اللاواعية.

وياحبذا لوقامت الحكومة بإلزام جميع المدارس برفع العلم الوطني في ساحاتها مع التحية والنشيد الوطني له كل صباح.

كما رأينا في الدول العربية، حتى أنني تعجبت عندما كنت أدرس في السودان كيف كانوا صارمين حيال هذا الموضوع.

 حلول واقتراحات:

 حتى لا أكون الناقد المتتبع لعيوب مجتمعه دون أن يقدم طرحاً لحل القضايا أو يناقشها أحببت أن أسطر بعضاً من خواطري لتحسين النهج التعليمي ووضع المنهج الوطني منها:

  • تكليف لجنة من المتخصصين والخبراء لوضع منهج عربي وطني مع حصة يومية للغة الصومالية، وترجمة نفس المنهج باللغة الإنجليزية حتى تتوافر المرونة في التعليم مع الاحتفاط بوطنية المنهج.
  • تكليف لجنة لوضع مقرر اللغة الصومالية، ولست أعني منهجاً بالصومالية بل تنويع مادة اللغة الصومالية، حتى لا تكون مادة جامدة مثلاً أن تحتوي(التربية الوطنية،ثرواتنا الوطنية،البلاغة،الشعر،التاريخ الوطني..) إضافةً لحصة النشاط حول التقاليد والتراث الوطني.
  • ابتكار طرق دراسية مبتكرة، وتغيير المقررات الجامدة وكأنها تحف تاريخية، مثلاً المواد التي تدرس في الصومال كلها واحدة ومتكررة، قنقترح مثلاً أن يضم المنهج مواد جديدة في كل مرحلة، وتتغير في كل مرحلة دراسية مثلاً المواد الاجتماعية تصبح الجغرافية الوطنية والاقتصادية، وتتغير مادة العلوم لتصبح الغذاء والصحة، بالإضافة إلى مواد تناسب مع ظروفنا المحلية مثلاً نحتاج إلى مواد الأمن والمجتمع -السلامة والبيئة -الإسلام والوطنية، وهكذا.

الحلول ما لها نهاية ولكن أكتفي بهذا القدر، ولكن تكون المشكلة قائماً مالم نتكاتف ونتبنَ مشروعاً وطنياً؛لإنقاذ الأجيال القادمة.

واختم كلامي بقول الشاعر(aniga uun baa daalayee dadkaan lahadlayaan dhug lahayn)كان الله في عون الشعب والوطن، وأسأل الله العطيم أن يعلي شأن هذا الوطن.

 

عن عبد الرشيد عبد الله الصومالي

كاتب صومالي شاب يهتم في الشؤون الصومالية والعربية تخرج في ثانوية النيلين يدرس الآن كلية التجارة في جامعة النيلين بالإنتساب

أضف تعليقا

إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: