جناية إيران على المجتمع العربي

14 يناير، 2013

avatar

أقرأ كثيرا عن التأثير السياسي الإيراني على المشهد العربي المعاصر، ولكن لم أطلع على أي دراسة حقيقية للتأثير الفارسي على المجتمع العربي المعاصر.  وأرى من واجب مفكرينا وكتابنا وعلمائنا إعطاء هذا الجانب الكثير من الأهمية.

في الأربعينات من القرن العشرين لم تكن اتفاقية ” سايكس- بيكو” قد طبقت بشكل مجتمعي؛ وإن كانت قد طبقت بشكل جغرافي وسياسي، وخلال تلك الفترة وما قبلها حدثت هجرات كثيرة من الجزيرة العربية وخصوصا منطقة ” نجد “، التي كانت بيئة طاردة بسبب القحط والجوع، إلى العراق والشام ومصر والسودان ووصلت تلك الهجرات إلى الهند.

ارتحل والدي ” رحمه الله ” إلى العراق التي كانت الأقرب إلى منطقة نجد، وحيث تتواجد أكبر مجموعة  نجدية، وأسسوا في جنوب العراق مناطق وقرى خاصة بهم، منها الزبير والخميسية وسوق الشيوخ والغبيشية، اختلطوا بأهل العراق سنتهم وشيعتهم، وحينها لم تكن هنالك فوارق بينهم، وسأذكر بعض من تجاربي وذكرياتي الشخصية وتجربتي الشخصية التي هي دليل قاطع على عمق التأثير الفارسي على مجتمعاتنا.

في طفولتي كنا نسكن “البصرة”، في حي يسمى “جامع أبو منارتين”، جيراننا من الشيعة والسنة، أقرب الجيران إلينا كانوا من الشيعة، كنت ألعب مع أطفالهم، لا فرق بيننا، تعتني بي أمهم وأختهم الكبرى فاطمة عندما تنشغل أمي “رحمها الله” عني لبعض شؤونها،  وأتذكر مربيتي أم إبراهيم “رحمها الله” وهي شيعية، كانت تعاملني كأحد أبنائها.

أتذكر أطباق الطعام يتبادلها الجيران بينهم يوم الخميس دون تفرقة بينهم سنة كانوا أم شيعة، وأعرف الكثير من السنة تزوجوا بنساء شيعيات والعكس، كان مجتمعا متماسكا متعاطفا متحابا، لا فرق بينهم ولا تفرقه، لم نكن نعرف الفرق بين السنة و الشيعة إلا في شهر محرم وخلال عاشوراء .

بالطبع كان هنالك تكفير عقدي، ولكن المضحك أنه كان من الشيعة ضد السنة، حيث تخرج مواكب العزاء الحسيني في عاشوراء تجوب شوارع  ليل البصرة  وهم يهتفون ” يا نايمين الليل يا الكفاره … أنتم تنامون الليل وحنا سهاره “، ولكنه لم يتعدى الهتاف إلى أن يصبح سلوكا وأفعال تؤثر على جوهر العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع.

التكفير وإن كان متبادلا بين أتباع كل الديانات، فالمسيحي يؤمن أن أتباع الديانات الأخرى كفار، والمسلم يؤمن أن أتباع الديانات الأخرى كفار، إلا أن ذلك لا يمنع حقا ولا يسيل دما. فالكل يؤمن أن الله هو الذي يقضي بين الناس يوم الحساب، ولم يوكل ربنا إلى أحد من خلقه الحق في أن يصبح قاضيا وجلادا.

هذا ما كان بين السنة الشيعة في العالم الإسلامي قبل سيطرة ملالي إيران على الثورة الشعبية في إيران وتحويل مسارها وتصبح دولة  مصدّرة لنظام ولاية الفقيه وتنصيب الخميني ومن بعده الخامئني لنفسيهما كولاة لأمر المسلمين وخصوصا الشيعة في مشارق الأرض ومغاربها.

بعد هذا التغير في أيران، غذيت الدعوات والنعرات الطائفية في العراق ودول الخليج وسوريا ولبنان وباكستان واليمن، وبدأ القتل على الهوية، وحدثت مجازر راح ضحيتها الملايين من سنة العراق وسوريا وغيرها.

قتل العربي أخاه العربي لأنه مخالف له في المذهب، وذبح الجار جاره لأن أحدهما شيعي والآخر سني، أصبح البعض قضاة وجلادين، يملكون الحق في قتل وتشريد الآخرين، يحكمون عليهم بالموت، يفجروهم بالقنابل ويذبحوهم بالسكاكين، حتى وصلنا إلى حالة من التشرذم تجعل الحليم حيران، بل وسخرت القوانين في بعض الدول لتقنين وشرعنه القتل والإرهاب الطائفي.

كنا نأكل من طبق واحد، نفرح لفرح بعضنا البعض ويعزي بعضنا البعض، نعيش كمجتمع واحد بأطيافه المختلفة ومذاهبه المتعددة؛ حتى جاءنا نظام ما سمي بالجمهورية الإسلامية الإيرانية ونظام ولاية الفقيه، وسخَّر النظام الفارسي مقدرات إيران المالية والبشرية والسياسية لاستقطاب الشيعة العرب، وبذل الجهد إلى أن تمكن من تهميش علماء الشيعة العرب الذين لا يؤمنون بولاية فقيه ” قم ” وسعى ونجح في إحلال المرجعيات الفارسية، ورسخ سيطرة مراجع ولاية الفقيه الإيرانيين على الشيعة العرب، فأصبح الكثير منهم يؤمن بنظرية ” الولي الفقيه”.

كنت في طفولتي أرى ما يدّعون أنها صور سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أو صور الحسين  رضي الله عنه كما يدّعون، في منازل الشيعة ولكن تغير هذا الآن، أضحيت  لا أدخل منزلا شيعيا إلا وأرى صور الخميني أو الخامئني، ليس هذا فحسب؛ بل وترفع صورهم في الأماكن العامة في الكثير من المناطق العربية التي يسيطر عليها الشيعة. وهذا دليل قاطع على تغلل مذهب ولاية الفقيه الفارسي الصفوي الإيراني على عقول الكثير من إخواننا الشيعة العرب، وأنهم أصبحوا ترسا من تروس آلة التوسع الصفوي  والهيمنة الفارسية في عالمنا.

لقد نسى أخواننا أن حكومة الولي الفقيه في إيران تسوم مواطنيها  من الشيعة العرب سوء العذاب من قتل وتعذيب وتهميش بلغ حد منع تعليم اللغة العربية ولبس الملابس العربية وحتى التسمي بالأسماء العربية. وفي هذا دليل كافي لكل صاحب عقل ليعرف ما هو التوجه الحقيقي للمشروع الفارسي ألصفوي الذي يستخدم  التشيع كمطية لتحقيق مآربه في عالمنا .

هذا المشروع الذي يحاول البعض إنكاره، ولكن ما حدث ويحدث في العراق، وما حدث ويحدث في سوريا، وما حدث ويحدث في اليمن، وما حدث ويحدث في طرابلس في لبنان فيها أدله كافية، حيث تحولت السياسة والاختلافات المذهبية إلى قتل وذبح وتشريد تحت غطاء طائفي لم يكن من الممكن أن يحدث لولا  التدخل الإيراني في عالمنا.

أتمنى أن يقطع إخواننا الشيعة العرب كل علاقة لهم بإيران الفارسية، فإنها تستعملهم كبيادق الشطرنج فقط، نعم نختلف مع الشيعة العرب في المذهب والدين، وكنا مختلفين معهم عبر التاريخ، ولكننا كنا نعيش بأمان مع بعضنا، نتنفس نفس الهواء ونأكل نفس الطعام ونشرب نفس الماء، نتناقش في الدين ونختلف وكل منا يحاول إثبات صحة مذهبه بالدليل وبالعقل ونترك  الحكم بيننا إلى الله.

هذه تجربتي، ومن تاريخي، أتحسر على الزمن الغابر، وأتمنى أن يعود، أن تعود بيننا الثقة التي فقدت، فأترك بيتي وأبني في رعاية أخت شيعية، وأن يتبادل السنة والشيعة أطباق الطعام كل يوم خميس، وأن نتناقش بعض الأحيان في أسعار الطماطم، وعن مشاكل الزراعة والاختلافات بيننا في المذهب ونحن نشرب الشاي .

أتمنى أن يخرج هذا الشيطان الذي دخل بيننا؛ فأدخل الحزن والأسى والقلق  إلى كل بيت عربي.

اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد .

شارك الآخرين ما قرأت

FacebookEmailDeliciousDiggGoogleStumbleuponRedditTechnoratiYahooBloggerMyspaceRSS