المناهج التعلمية في مدارسنا والخطر الذي يهددنا (١)

23 ديسمبر، 2012

avatar

لا أعرف من أين أبدأ الكلمات؛ لأن حجم الموضوع كبير، ولست ممن يجيد صياغة المواضيع التي تتعلق بالثقافة والمناهج، رغم حبي لمثل هذه المواضيع، ولطالما عرفني الكثيرون في هذ المنبر  بطرح المواضيع السياسية الحساسة غيرةً لوطننا الحبيب، أما اليوم فأطرح قضية تؤلمنا وتثقل كاهل وطننا، وليس بكثرة المناهج فحسب؛ بل لعدم جدوى كثير من تلك المناهج، والتي تدرس في مدارس الوطن، وهي مناهج تتعب الطالب والمدرس بحيث يصير حالهما “مثل الحمار يحمل أسفارا”.

وقضية المناهج ليست كما يتصورها البعض قضية بسيطة الشأن قليلة التأثير، وهي بالعكس قضية ثقيلة الوزن شديدة التأثير، و أكبر ما يعنون به في الغرب هي المناهج والمدارس التعليمية، وخاصة في الحضانة و المرحلة الابتدائية، ومعطم الدول الأوربية والأمريكية لا تسمح بافتتاح مدرسة ابتدائية خاصة، وعندما سأل مسؤولوا الجاليات الإسلامية عن سب منعهم كان الجواب مدهشاً، بحيث صرحوا “بأنهم وحدهم من يربي ويوجه لسياسات الوطن والقيم الاجتماعية السليمة إلى جانب تغيير العادات الاجتماعية السيئة في نظرهم؛ وبالتالي لا و لن يقبلوا أن يوجه غيرهم حتى لا يصبح المجتمع هشاً”

نعم، هل عرفتم الفرق الذي بيننا وبينهم؟ و مما هو غريب أيضاً أنهم لا يسمحون للبيت أن يؤثر على الطالب وبذلك يمكث الطالب في الفصل لساعات طويلة، بعضها أكثر من تسعة ساعات حتى لا يتأثر بما يجري الشارع والسوق والبيت، وذلك خوفا من أن تضيع قيم ومبادئ المدرسة التي يتعب المدرس في توصيلها لساعات طويلة، وليس لهذا الحد فقط بل يصل الأمر أحياناً للتوبيخ والاحتجاج للوالد إذا تدخل الأبوان أو أحدهما في نقد أفكار ومبادئ المدرسة، وكلنا يعلم كم من الصوماليين المغتربين الذين راحوا ضحية لمثل هذا التدخل،  ولاسيما فيما يتعلق بتدخلهم في الأمور العقدية والدينية.

أعلم يقيناً أن البعض يستغرب إعجابي الشديد بالنطام التعليمي الغربي، والذي يعتبره البعض نطاما شيطانياً، وبالفعل هو كذلك؛ لكن ما أريد توصيله للقارئ هو أن الغربي الذي لم يقرأ آية إقرأ، ولم يسمع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تتحدث عن الأمانة والنطافة والخلق الحسن تراه يقرأ في الأماكن العامة وفي الباص، وتراه أيضاً يحافط على نطافة الشوارع والحدائق ويتخلق بالأخلاق الحسنة.

 أخي القارئ من أين لهم هذه التربية؟ ببساطة هذه تربية المدرسة والبيت والمجتمع، ولكن من أين لهم هذه التربية المتكاملة؟ وجواب هذا السؤال هو خلاصة موضوعي، وأقول: هذه التربية المتكاملة هي من ثلاتة محاور: المنهج، والمدرس، والطالب، إذا فُقد أحدهم أو قصّر أحدهم في دوره فلا تنتظر مجتمعاً سليماً، ومن هنا حرص الغربيون لاقتناص هذه الفرصة الثمينة، وهي الطالب وصرفت فيه مليارات الدولارات؛ لتتوفر له البئية النطيفة، والمدرسة الأنيقة، والأستاذ المتدرب، والمشرفة الرحيمة، وأدوات الدراسة المختلفة، والتكنولوجبا الحديثة من السبورات الإلكترونية والأيباد وغيرها.

وكل هذا ليس للرفاهية بل لبرمجة دماغ هذا الطفل بهدف أن يتغير بذلك مستقبل المجتمع بأكمله نحو الأحسن؛ لأن الطالب اليوم سيصبح غداً أباً، وتصبح الطالبة أماً، ولا يمكن أن تغير مجتمعا بأكمله مهما بذلت جهداً وثمناً غاليا، ومهما خلصت نيتك وحسن برنامجك الإصلاحي؛ لأن هذه سنة الله في الأرض ولن تجد لسنة الله تبديلا، فلو عندك برنامج إصلاحي سواءً كنت والداً أو مؤسسة أو برنامجا حكوميا فما عليك سوى   التركز على الطلاب “الأطفال” وعزلهم من المجتمع الذي تريد أن تغيره.

ولتوضيح هذه المسألة آخذ مثالين:

المثال الأول عن مدينة أوسلو عاصمة النرويج: كانت مدينة أوسلو  قبل ٣٠ عاماً مدينة تعاني من الأوساخ والقمامة كما هو الحال بالنسبة لمعظم دول العالم الثالث، ولم تجد الحكومة النرويجية كيفية لتغيير سلوك مجتمعها بالرغم من الوعي والإرشاد المستمر من الحكومة؛ فجاءت الفكرة لتغيير المجتمع من خلال المنهج والمدرسة، فوُضعت في المناهج فقرات عديدة تتحدث عن النطافة وأهميتها، وأعيد تأهيل المعلمين، وهذا لم يكن عشوائياً بل كان منهجاً مرتبطاً متكاملاً، مثلا في مادة الرياضيات يتحدث الأستاذ عن حجم القمامة   في أوسلو، ويأتي أستاذ الجغرافيا فيتكلم عن أضرار القمامة للبيئة، وتأتي المشرفة فتحكي قصة مثيرة عن القمامة والأوساخ وأهمية النطافة، وتحثّهم على النطافة وعدم رمي الأوساخ في الشوارع  وهكذا…

أضف إلى ذلك حصة كاملة لجمع القمامة من المدرسة وتنطيف الفصول بنفسهم، ولم يكن هذا المشروع حماسياً بحيث يتوقف بعد مدة محددة؛ بل ظل مستمرا  إلى يومنا هذا، والنتيجة هي أن وصلت مدينة أسلو مكانة عالية في مجال النطافة والجمال، وأصبحت المدارس نطيفة جداً لدرجة أن حصة النطافة لم يجد الطلاب أية قمامة لينظفوها، والحكومة لا تريد أن يقف هذا المشروع؛ لأن الأوساخ ستعود والمدرسة هي صانعة الأجيال، فأحدثوا في حصة النطافة بأفكار إبداعية  كأن يقوم الأستاذ أو المشرف برمي بعض الأوراق والكراتين،  ثم يعطي كل طفل كيس  وقفازات لجمع هذه الأوراق البسيطة.

المثال الثاني هو من تركيا الشقيقة، وخصوصاً من مدينة إسطنبول عندما كان رئيس بلدية إسطنبول السيد رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء الحالي لتركيا.

فقد أدرك أردوغان أن لأفكاره لا يمكن تحقيقها في أرض الواقع إلا عن طريق المدرسة؛ فربط برامج وخطط البلدية بجميع مدارس إسطنبول وأصبح الطلاب مشاركون في جميع أنشطة البلدية، فتأثر بها المجتمع وأصبحت إسطنبول مدينة نطيفة وأنيقة إلى حد ما، إلا أنها بقيت تعاني بعضاً من العادات السيئة مثل الخمار والميسر والمسكرات ونسأل الله أن يرفع عنها.

في الحلقة الثانية سنركز في حديثنا -إن شاء الله- على واقعنا الصومالي وكيفية إعداد الجيل القادم للمهمات على ضوء المناهج الدراسية المخططة.

شارك الآخرين ما قرأت

FacebookEmailDeliciousDiggGoogleStumbleuponRedditTechnoratiYahooBloggerMyspaceRSS