الرئيسية | أعلام وشخصيات | الشيخ عمر الفاروق عبده سلطان وجهوده في الدعوة الإسلامية

الشيخ عمر الفاروق عبده سلطان وجهوده في الدعوة الإسلامية

Listen

دعوة الشيخ عمر الفاروق عبده سلطان -رحمه الله- ونشره للعلم بدأت منذ زمن مبكر، وفي ريعان شبابه، فقد كان متعلما ومعلما أيضا، و كان يدّرس التفسير باللغة الصومالية في مسجد قريولي وعمره لم يتجاوز السابع والعشرين، وكان يدّرس التفسير والحديث والفقه الشافعي، وكان ذلك بين عامي 1967 إلى 1969م تقريبا، وقريولي مدينة تقع في منطقة شبيلي السفلي، وهي المدينة الأولى في المناطق الشمالية التي حطّ فيها الشيخ رحاله، وكان متزوجا بأول زوجاته فاطمة محمد عبد الله، ثم تزوج الزوجة الثانية في هذه المدينة، وهي خذيجة شيخ محمد والدة كاتب هذه السطور، ولم يكن للشيخ عمل محدد في ذلك الوقت سوى نشر العلم الشرعي.

وبعدما انتقل إلى مقديشو في عام 1965م أو في عام 1966م لا أستطيع الجزم بأحدهما، وقد سكن الشيخ -رحمه الله- في البداية حي هدن، وكان أول مسجد بدأ فيه بنشر علمه مسجد الرئيس الراحل عبد الرشيد علي شرماركي، فقد كان الشيخ يجلس بعد صلاة المغرب لتدريس التفسير وترجمة معانيه باللغة الصومالية، وكان الشيخ علي درويش يجلس أيضا بعد صلاة العصر، وكان يدرس كتاب رياض الصالحين، بالإضافة إلى الشيخ علي صوفي الذي بدوره كان يدرِّس علم القرأن والتجويد، وخلال وجوده هناك كان الشيخ يدرس كتاب رياض الصالحين من الشيخ إبراهيم سولي، وفي نفس الوقت كان يدّرس للطلاب هذا الكتاب بعد نهاية الدرس مباشرة، كما كان خطيبا وإماما ومدرسا في مسجد الرئيس الراحل عبد الرشيد علي شرماركي، وكما كان يدّرس التفسير في مسجد “أونلاية” والمعروف بمسجد السلام في حي وذجر بمقديشو بعد صلاة الغرب.

وبعدما ما تخرج الشيخ عمر الفاروق من كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في عام 1982م، وكان المتفوقون من خريجي هذه الجامعة في ذلك العصر يبتعثون دعاة إلى الله من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة أو على كفالة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز،  وبهذا تم تعيين الشيخ ليكون داعية إلى الله في أحد بلدان أفريقيا، وأرجح أنّ هذا البلد كان زامبيا؛ لكنّ الشيخ رفض، ولم يقبل على هذا التعيين؛ بل فضّل البقاء في السعودية، وخاصة في جدة؛ ليكون مدرّسا وموجّها ومصلحا للجالية الصومالية المقيمة في المملكة العربية السعودية، وفي جدة تحديدا، وحصل على إقامة رسمية في السعودية، وقد أعطته القنصلية الصومالية في مدينة جدة تصريحا يسمح له بكونه وكيلا عن القنصلية كمأذون شرعي ومصلح اجتماعي.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا رفض الشيخ أن يكون داعية إلى الله في أفريقيا؟ وخاصة في زامبيا ؟  حدّث إليّ الشيخ بأنه صرح لهم بأنه لا يرغب الذهاب إلى أفريقيا والعمل كداعية هناك، وذلك لأن وسيلة التخاطب والتواصل والتفاهم بين الناس هي اللغة وعن طريقها يتم دعوة الناس إلى هذا الدين الصحيح دين الإسلام، وكيف تتحقق الدعوة ويمكن للداعية أن يؤثر  في الناس إذا كان هناك اختلاف في اللسان (اللغة)؟!   واستدل الشيخ -رحمه الله- لتدعيم رأيه بقوله تعالى [وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ليبين لهم] فاقتنعوا بكلام الشيخ، ولكنّهم ذكروا له بأنه لا توجد وظيفة أخرى غير هذه؛ فقال لا أرغب فيها!!

دعوته في السعودية وفي أوروبا

ويقول الشيخ محمد إدريس بأنه تعرف على الشيخ عمر الفاروق قبل ثلاثين عاما وذلك عندما كان يدرس تفسير القران الكريم للجالية الصومالية في مدينة جدة في عام1981م في حي الشرفية طريق المدينة، وكان تلامذته في ذلك الوقت قليلين جدا، كما كان يلقي بعض الدروس على الجالية الصومالية في جدة وخاصة في حي كيلو سبعة وذلك في أواخر الثمانينات، (انتهى كلامه).

وهو التفسير المتداول الآن بين الصوماليين، وقد سجل منه مرتين  الأولى في عام 1982م في القنصلية الصومالية في جدة، ويتكون من 240 شريطا من نوع الكاسيت، والتسجيل الثاني كان في عام 1989م، وتتكون أشرطته من 238 شريطا سجّل من الشيخ في مسجد يقع بحيّ كيلو سبعة يسمي بمسجد البركة، وتولى تسجيله الأخ طاهر ديرشي الذي كان له دكان لبيع الأقمشة وأشرطة الشيخ عمر الفاروق، وقد اشتريت منه هذه الأشرطة في التفسير في عام 1996م، بالإضافة إلى التفسير كان لديه أشرطة أخرى سجلها بنفسه من الشيخ عمر الفاروق في مختلف العلوم والفنون الإسلامية، سنذكرها في مكان آخر من هذا البحث إن شاء الله تعالى.

وهناك بالإضافة إلى هذين التسجيلن تسجيلات أخرى لتفسير الشيخ عمر الفاروق ولكنها لم يتم نشرها وتوزيعها على المجتمع الصومالي.

فهناك على سبيل المثال عندما كان في أوروبا وخاصة في السويد سجل منه التفسير بالصوت والصورة معا ولكنّ هذاالتسجيل لم ينشر ولم ير النور بعد، وربما بقي محفوظا عند الإخوة في المركز الإسلامي في السويد الذي استضاف الشيخ في زيارته إلى السويد في  صيف عام 1993م، هذا وانتهز من هذه الفرصة لأشيد بدور الإخوة في ترحيب الشيخ عمر وإعطائه الفرصة ليستفيد منه مئآت الآلاف من الصوماليين فيما يتعلق بأمور دينهم ودنياهم، وفي نفس الوقت أناشدهم أن يتقوا الله تعالى، وأن ينشرو علمه من التفسير والعقيدة والحدبث والفقه في العلم، وأن لا يحتكروا هذا العلم أو يحبسوه في المكتبات أو في بيوتهم وأن لا يقعوا تحت الوعيد القرأني في قوله تعالى[ (إِنَّ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلعَنُهُمُ اللاعِنُونَ (159) إِلا الذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) القرآن الكريم سورة البقرة: 159 – 160

وإلى كلّ من عنده أشرطة للشيخ عمر الفاروق وغيره من العلماء الصوماليين ويستأثرها دون الناس لأسباب تجارية بحتة أو لأي أسباب أخرى أذكرهم بهذه الأية، وأن يتمثلوا بهذا الوعيد الشديد الذي ورد في هذه الأية.

وكذلك تم تسجيل تفسيره بالصوت والصورة معا في مكة المكرمة في عام1999م برعاية وإشراف مسؤولين صوماليين في مؤسسة الحرمين الخيرية غير أن هذا الأخير أيضا لم يتم تداوله ولا نشره لأسباب غير معروفة وبقي محبوسا لدي المسؤولين والقائمين بتنظيمه وتسجيله.

وكانت هذه الأشرطة من النوع الكاسيت، قديما كانت غالية السعر حتى  نهاية التسعينات؛ حيث كان سعر النسخة الواحدة من هذا التفسير يصل إلى أكثر من 400 دولار أمريكي، ثم نقّل بعض الإخوة المسؤولين في مسجد خالد بن الوليد بمديتة تورونتو في كندا بإذن من الوالد رحمه الله،  وحّولوها إلى أقراص مرنة مكونة من ثلاث أقرص كل منها يحتوي على عشرة أجزاء من القرأن الكريم؛ مما جعل من السهولة بمكان أن يكون هذاالتفسير متدوالا بين الصوماليين جميعا بسبب توفره في الإنترنت، وبامكان كلّ أحد أن يحصل عليه مجّانا عن طريق التحميل من المواقع الإسلامية الصومالية إلى جهاز الكمبيوتر أو عبر ذاكرة الجوال.

جهوده الدعوية في أوروبا

وفي عام 1993م تلقى الشيخ دعوة رسمية من الجالية الصومالية في السويد، واتخذ الشيخ من السويد مقرا له، وحصل على إقامة رسميّة في السويد ولمدة سنة كاملة وقابلة للتجديد، وكان الشيخ يتردّد في هذه البلاد الإسكندنافية من هذ العام وحتى 1997م أي خمس سنوات، وفي عام 1998م حصل على دعوة رسمية من الجالية الصومالية في كندا، وأقام هناك مدة شهرين يلقي خلالها المحاضرات والدروس الدينية ويشارك في المؤتمرات والندوات العلمية.

أهم الأعمال التي قام بها الشيخ أثناء إقامته في السويد.

1- تدريس العلوم الإسلامية كالتفسير؛ حيث تم تسجيل تفسيره باللغة الصومالية بالصوت والصورة معا وكذلك التوحيد والفقه واللغة والسيرة التبوية الشريفة مثل كتاب رحيق المختوم وكتاب عقيدة المؤمن لأبي بكر جابر الجزائري، وهو كتاب في التوحيد، ولكن وللأسف الشيد لم يصل إلينا من هذه الكتب التي سجلها الشيخ في السويد سوى القليل مثل كتاب الرحيق الختوم للشيخ الباركفوري

 2 - إلقاء المحاضرات والندوات العلمية والشرعية مع مجموعة من أبرز العلماء الصوماليين ومشاركة المؤتمرات، وكان الشيخ -رحمه الله تعالى- النجم البارز في كل هذه المؤمرات وهو الذي كان يستفتحها ويضع لها العناوين.

 3 - توحيد شرائح المجتمع الصومالي كالفرق والتيارات الإسلامية، وكان الشيخ -رحمه الله- يبذل قصاري جهده في توحيد صفوف أبناء الصحوة الإسلامية، وذلك في العقدين الأخيرين أي بعد انهيار الحكومة المركزية الصومالية السابقة، وله جهود جبارة في هذاا المجال، أعني توحيد ولمّ شمل رجال وقادة الصحوة الإسلامية الصومالية؛ لأنه كان يرى أن في وحدتهم ولمّ شملهم وصفوفهم وحدة الأمة الصومالية جميعا.

4 - إصلاح الأسر الصومالية في الغرب وحل خلافاتهم ومشاكلهم.

5 - ردّ أسئلة الناس وإصدار الفتاوى الدينية في موضوعات مختلفة منها موضوعات اجتماعية وسياسية وثقافية وقبيلة وغيرها من الموضوعات، غير أن معظم الأسئلة التي كانت الجاليات الصومالية تسأل الشيخ عمر كانت تدور حول الخلافات الأسرية بين الزوج والزوجة أو بين الاطفال والولدين، وكذلك كان بعضها  يدور حول الفساد المنتشر في المجتمع الصومالي نتيجة للحالة المأساوية التي تحيط بالأمة الصومالية أينما تحلّ بسبب أنهيار الحكومة المركزية وفقدان الكيان الذي كان يجمعهم.

فكثيرا ما كانوا يسألونه عن حاجة امرأة مثلا أو رجل باستخدام أخيها أو والدها بطلب إلى الحكومة السويدية لإعطاء أخيها تاشيرة وهو في أفريقيا مثلا لكي يصل إلى السويد على أساس أنه زوجها أو أخوها تزويرا !!فيجيب الشيخ عادة عن مثل هذه الأسئلة وما شابهها من مواضيع الفساد والتزوير والكذب المنتشر بين الصوماليين في الغرب والشرق؛ فيفتي الشيخ بعدم جواز مثل هذه القضايا؛ لأن فيها كذب وتزوير وهذا محرم في الإسلام.

6 - تأسيس وتنظيم المراكز الدعوية والمساجد.

 7 - زيارة المدن والقرى التي تقطنها الجاليات الصومالية وتوعية هذه الجاليات فيما يتعلق بدينهم وأمور دنياهم.

هذه النقاط وغيرها كثيرة، هي من أهم الأعمال التي كان الشيخ يقوم بها أثناء إقامته في السويد، وكان مقره في السويد وفي العاصمة استكهولم والمدينة الثانية جوتنبورج، وما من مدينة ولا قرية إلا ووضع الشيخ أقدامه عليها، كما يشهد بذلك الشيخ محمد إدريس ويقول: عندما زرت هذه البلاد السويد في بداية عام 2000م  مررت على جميع القرى والمدن التي زارها الشيخ عمر الفاروق حتى أنه سكن في نفس الغرفة التي كان الشيخ عمر -رحمه الله- يسكنها حسبما ذكر له الصوماليون الذين كانوا يسكنون في هذه الأماكن التي مرّ بها الشيخ عمر رحمه الله.

ومن المدن والقرى التي زارها الشيخ محمد إدريس وقبله الشيخ عمر -رحمه الله- في السويد " استكهولم، جوتنبورج، أبيرو، و جسلفت، Stockholm, Gothenburg, Orebro, Gislavet.

    ويذكر الشيخ بأنه عندما زار  جامعة  " أبستيلا أو أبسيلا " المعروفة ذكر له الناس الذين كانوا يقيمون في هذه الأماكن بأن في هذه القاعة -وهي قاعة المحاضرات في الجامعة- أقيم فيها أول وآخر محاضرة للشيخ عمر الفاروق رحمه الله، وهذه هي المحاضرة الثانية " محاضرة الشيخ محمد إدريس حفظه الله تعالى "

 دوره في النرويج

أما دور الشيخ في النرويج وفي العاصمة أوسلو، فما زالت آثار جهود الشيخ عمر -رحمه الله- باقية وواضحة حتى الآن يراها كلّ من يقيم في هذه ىالبلاد أو يمّر عليها مرور الكرام،  ففي العاصمة أوسلو مسجد كبير ومركز صومالي للدعوة إلى الله، وهو كبير أيضا، ويسمي هذا المسجد بـ "بمسجد التوفـيـق" وهو من أكبر المساجد في النرويج إن لم يكن أكبرهم على الإطلاق، وقد كانت الجالية الصومالية قبل افتتاح هذا المركز والمسجد، وقبل مجيء الشيخ متفرقة في مواضع ومراكز شتي بالنرويج، وعندما قدم الشيخ عمر -رحمه الله- ووجد وضع الجالية الصومالية هناك في النرويج أحسّ الشيخ -رحمه الله- بالحاجة الماسة للجالية يضرورة وجود مسجد ومركز يضمّهم ويجمع شملهم، فأسّس الشيخ عمر -رحمه الله- والشيخ مصطفى حاج إسماعيل هارون هذا المسجد والمركز الإسلامي في العاصمة أسلو للحفاظ على وحدة الجالية ولمّ شملها بدلا من التفرق وأن تصلي كل مجموعة في مكان واحد.

وهذا المسجد هو من أنفع  وأهم المساجد التي تم تأسيسها في الغرب، كما تشهد بذلك الجالية الصومالية المقيمة في النرويج وفي أوروبا.

لم يكن الشيخ مقيما فقط في السويد بل كان يتجول في الدول الإسكندنافية والأروبية أيضا، فقد زار كلا من الدنمارك وفلندا والنورويج وبريطانيا وسيوسرا والنمسا، وأخيرا وفي عام 1998م زار الشيخ كندا وأقام فيها لمدة شهرين.

وقد ذكر لي الوالد -رحمه الله- أنه بعدما انتهت مدة الإقامة المسموحة للشيخ أن يقيم فيها قانونيا وبإقامة نظامية في السويد، وهي خمس سنوات عرضت عليه السلطات السويدية وخيرته بين أمرين، إما أن يسأل الحكومة السويدية بطلب اللجوء كلا جئ صومالي؛ ليحصل حق اللجوء ويواصل فيها الدعوة، وإما أن يعود إلى محل إقامته السعودية، فرفض الشيخ طلب اللجوء من الحكومة السويدية والبقاء هناك، واختار العودة إلى محل إقامته وبين أهله وأولاده في جدة في المملكة العربية السعودية، فاستغربت السلطات السويدية هذا القرار من الشيخ؛ لأنهم لم يتعودوا على مثل هذا القرار قبل ذلك كيف يعرض لصومالي مهاجر ولا جيء أن يحصل على حق اللجوء والسكن والإعاشة ثم يرفض ذلك، وقد نشر هذا الخبر كما ذكر الشيخ الوالد -رحمه الله-( أي خبر رفض الشيخ الّلجوء) في بعض الجرائد التي تصدر في السويد، كما أنه أخبرني بأن بعضا من قادة ومسؤولي الجالية الصومالية في السويد كانوا يلحّون عليه ويرغبونه في أن يختار اللجوء، وأن أسرته ستلحق معه في السويد؛ لكن الشيخ لم يتردد عن عزمه بالعودة إلى أرض الوحي.

ومن الأخبار الظريفة أن الوالد -رحمه الله- لم يكن يفارق ملابسه للإحرام (الإزار والرداء) في جميع أسفاره  من المملكة العربية السعودية إلى أوروبا؛ حيث كان يأمرنا بأن نضع له هذه الملابس في حقيبته الكبيرة، وأن لا ننساها فما السر في ذلك؟  سألته عن سبب ذلك فأجاب -رحمه الله- بأن الآجال بيد الله فمن يدري لعلّ المنية تزوره، وهو في بلاد الكفـر فيموت هناك فلا يوجد ما يكـفّـن به!! فيريد إن جاء أجله وهو في أرض الكفار (هذا هو تعبير الشيخ عمر عندما يتحد ث عن دول الغرب) أن يكفن بجسده هذه الملابس التي اعتمر وحج بها قرابة عشرين عاما، ثم يؤخذ ويحمل جثته من هناك إلى مكة المكرمة،  وقد تحقق له فعلا ما كان يتمناه دائما وهو أن يكفن بجسده هذه الملابس ويدفن به في مهبط الوحي في مكة المكرمة -حرسها الله- وبجوار العلماء والصالحين في مقبرة الشرائح قرب الحرم المكي.

وهذه القصة التي سردناها تفسر لنا موقف الشيخ -رحمه الله- بعدم قبول عرض اللجوء إليه؛ لأنه كان يخاف الموت وهو في أرض الكفار عملا بقول الرسول صلي الله عليه وسلم [«أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» قالوا: يا رسول الله ولِمَ؟ قال: «لا تراءى ناراهما» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأخرجه أيضًا ابن ماجة، ورجال إسناده ثقات.

ويذكر الشيخ محمد إدريس حفظه الله بأنه التقى مع الشيخ عمر في مناسبات عديدة، ولعل من أهمها الاجتماع الذي عقد في مكة المكرمة -حرسها الله- وحضره جمع كبير من العلماء والدعاة الصوماليين، وأصدروا فيه بيانا أطلق عليه (بيان مكة المكرمة) وأرجح أن هذا المؤتمر وقع حج عام 1992م، وفي نهاية هذه الاجتماع أصدرالعلماء المشاركون بيانا ينادون فيه الشعب الصومالي أن يجتهدوا في إعادة الأمن والاستقرار في البلاد، والموافقة والصلح فيما بينهم، والرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم فيما يكون بينهم من خلاف أو سوء تفاهم عملا بقوله تعالى [فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر]

ومن العلماء الذين شاركوا وحضروا في هذا الاجتماع فضيلة الشيخ شريف عبد النور، والشيخ عبدالرحمن شيخ عمر شيخ أحمد دينله، والشيخ محمد إدريس الذي يتحدث عن هذا الاجتماع، وكان الشيخ عمر الفاروق الناطق الرسمي ياسم العلماء الذين شاركوا في هذا المؤتمر، وكان الشيخ محمد إدريس يعمل مع الشيخ عمر -رحمه الله- كسكرتير ومساعد له.

ورغم ما بذله العلماء والدعاة الصوماليون من جهود جبارة في إنجاح هذا البيان وتحقيق أهدافه إلا أن النتائج المرجوة منه لم تتحقق على أرض الواقع، حسبما كما كان العلماء يتوقعونه.

وفي عام 1995م أقيم مؤتمر كبير أيضا في مكة المكرمة -حرسها الله- وحضره حشد كبير من العلماء والدعاة الصوماليين البارزين الذين يتمتعون بالمكانة العالية والاحترام في وسط الشعب الصومالي، و وفد من المحاكم الإسلامية، وكان الغرض من هذا المؤتمر، هو ترحيب وفد المحاكم الإسلامية الذي قدم من مقديشو؛ لأداء فريضة الحج وللاجتماع والتشاور مع العلماء والدعاة الصوماليين الذين سيأتون إلى المملكة لأداء فريضة الحج، ولكي يجتمعوا أيضا مع الجالية الصومالية في المملكة العربية السعودية، هذه المحاكم التي هزمت زعماء الحرب الذين كانوا يسيطرون مقديشو من بعد سقوط الحكومة المركزية السابقة وحتى عام 1996م بعد هزيمتهم أمام المحاكم الإسلامية.

ومن أبرز العلماء والدعاة الذين شاركوا في هذاالمؤتمر فضيلة الشيخ شريف عبدالنور، الذي تم اختياره رئيسا للجنة التي انتخبت من هذا المؤتمر لموازرة وتأييد المحاكم الإسلامية، كما اختير الشيخ عمر الفاروق -رحمه الله تعالى- نائبا لرئيس اللجنة، وتم انتخاب كلّ من الشيخ محمد إدريس والتاجر الصومالي المعروف السيد محمد قاسم كسكرتيرين مساعدين للشيخين.

أخلاقه وصفاته

ويصف المعاصرون والذين عاشوا معه فترة من الزمن الشيخ عمر الفاروق رحمه الله ( وكاتب هذه السطور هو من الذين عاصروه، وأقاموا معه فترة ليست قصيرة) حيث كنت أسكن معه في بيته في جدة من عام1992م إلى 1998م ) فقد كان بشاشا وأكثر انفتاحا، وكان حديثه لا يمل منه أحد مهما طال بسبب فصاحته وبلاغة لسانه.

وكان قلبه مفتوحا لجميع الناس بمختلف ميولهم واتجاهاتهم الفكرية والدينية وحتى خصومه من أصحاب الاتجاهات الفكرية والتيارات الإسلامية الذين كان بعضهم ينصبون له العداء والكراهية، إما حسدا لشهرته وفصاحته ونجاحه وكسبه لميل قلوب الشعب الصومالي جميعا، وكلّ من يستمع إلى  أشرطتة المنتشرة في العالم لابد وأن يميل قلبه إليه أو بسبب مواقفه غير المؤيدة لافكارهم ومواقفهم، فقد كان للشيخ -رحمه الله- مواقف صريحة في بعض القضايا التي تتعلق بالعقيدة وكذلك الاحتفال بالمولد النبوي الشريف أو موقفه تجاه الأحزاب والحركات الإسلامية، هذه المواقف التي -طبعا- لم تكن ترضي هذه الأحزاب والجماعات الإسلامية الصومالية؛ لأنهم يدركون تمام الإدراك أن الشيخ -رحمه الله- يحظى بتأييد وشعبية من الشعب الصومالي، وقلّما يوجد في غيره من العلماء والدعاة الصوماليين، وله قدرة فائقة في اقناع وتأثير الناس في بأفكاره ومبادئه التي يؤمن بها، وهو يحتج بما يحفظ من القرأن الكريم والسنة النبوية الشريفة والواقع المعايش، كلّ هذه الصفات جعلت خصومه وأعداءه يحسبون له ألف حساب.

كما كان يتصف أيضا بالشجاعة والإقدام فيما يراه حقا؛ حيث لم يكن يخاف في الله لومة لأئم، يقول ما يراه حقا وصوابا وموافقا للحق دون أي يراعي في ذلك مشاعر الآخرين وأهواءهم، وبغض النظر عن النتائج وردود الأفعال التي تترتب على موقفه وفتواه هذه؛ لأنه مأجور في كلا الحالتين، إن أصاب الحق في فتواه فله أجران على قوله للحق وعلى إصابته له، وإن اخطأ فله أجر اجتهاده في تحري الحق، وفي نيته الصادقة أيضا في الوصول إلى الحق الذي يتفق مع مصلحة الأمة الصومالية، فهو ليس خاسرا في كلا الحالتين.

ومن أمثلة ذلك مواقفه من الأحداث الأخيرة في الصومال مثل دخول القوات الأفريقية إلى الصومال، وسنتحدث عن مواقفه وأرائه هذه -إن شاء الله تعالى- في الفصل الرابع  من هذه الرسالة عن تاريخ الوالد الشيخ عمر الفاروق وجهوده في نشر العلم.

وأذكر في هذه المناسبة أن كثيرا من الإخوة في داخل المملكة العربية السعودية وفي خارجها من أنحاء العالم كانوا يتصلون بالوالد، وكانو يتصلون بنا أيضا، وهم يلحون علينا ويضغطون علينا وعلى الشيخ بأن يتوقف نهائيا عن الفتاوى التي تتعلق بالأحداث الراهنة في الصومال، وبالوضع السياسي عموما في الصومال، وهم يعللون إلحاحهم وطلبهم هذا بأن الشيخ يمر بظروف صحية حرجة، كما يزعمون ولا تسمح له هذه الظروف في الخوض في مثل هذه القضايا الحرجة العصيبة، التي شيّبت الأطفال قبل الشيوخ والكهول، وليس من مصلحة الشيخ الصحية أن يقحم نفسه في مثل هذه القضايا العقيمة التي لا يجني منها أي فائدة حسب رأيهم.

  وكان من صفاته الجبلية أنه كان مفوها ومتقنا اللغة الصومالية نثرا وشعرا، وكان يحفظ كثيرا من الشعر الصومالي مثل شعر المجاهد والمناضل الصومالي السيد محمد عبد الله حسن، وشعر علي طوح،  وبعض قصائد أبشر بعدله رحمهم الله جميعا، ورأيت في بيتنا بجدة بعض الأشرطة من شعر أبشر بعدله التي كانت في غرفة نومه -رحمه الله- وقد كتب عليها حد يث الرسول صلي الله عليه وسلم [إنّ من البيان لسحرا] مما يدلّ على أنّ الوالد -رحمه الله- كان معجبا ومحبا بشعر أبشر بعدله، وكان يستشهد بشعر هؤلاء الشعراء الصوماليين في المناسبات والحفلات أو في أثناء حديثه وكلّما وجد مناسبة تتناسب مع المقام.

كما كان يستدل ببعض الكلمات التي فيها حكم صومالية، والتي ورد بعضها في الأغاني الصومالية، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر أننا كنا في ليلة من الليالي في جدة مع الشيخ عمر، وكان الشيخ يحاول أن يصلح بين زوج وزوجته في قضية خلاف بين زوجين لكنّ الفتاة لم تأخذ بنصائح الشيخ، ورفضت كل نصائحه فقال الشيخ بعد أن جلسنا طويلا وتعبنا ولم نصل إلى نتيجة واستشهد بكلمات من أغنية صومالية للمغني الصومالي عمر شولي:Waa yahay ku daayaye, wacdi kaala quustee wadadeed maraysaa !!

 فضحكنا جميعا من حفظه للأغنية ومداعبته لنا.

 وربمّا بعض الإخوة المتحمسين للدين ينتقد الشيخ في هذه المسالة، ويتساءل لماذا يغنّي وهو يعلم أن الغناء حرام !! هو لم يغنّ وإنما استشهد فقط بهذه الكلمات التي تتناسب مع هذا المقام، فالفتاة لم تقبل نصائح الشيخ وتوجيهاته، وفيها حكمة والحكمة ضالة المؤمن أينما كانت في الشعر أو النثر أو حتى في الأغنية نأخذ بها !! وأعتذر للقراء بأن لا يفهموا من كلامي هذا في موضوع الأغنية بأنني أدعوا إلى استماع الأغاني فأنا معكم في حكم استماع الأغاني، وأنها تنبت النفاق في القلب، كما ذكر ابن مسعود رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله)  وإن كان هناك خلاف بين العلماء المعاصرين في هذه المسألة، ولكن ليس هذا المقام مقام بسطها، ومن أراد التفصيل في هذه المسالة فليرجع إلى كتاب الحلال والحرام في الإسلام للدكتور يوسف القرضاوي، وغيره من الكتب الفقهية.

كما كان يحفظ الكثير من القصائد والأشعار الحسنية المنسوبة إلى عشيرته (رير أو حسن) التي قيلت في أيام الاستعمار وبعدها، فقد رزقه الله تعالى ذاكرة عجيبة وحافظة قوية يحفظ الحديث أو القصيدة منذ أول مرة يسمعها أو يقرأه.

وقد نقلت من فمّه الطاهر كثيرا من القصائد والأشعار الحسنية حيث كان يحدثنا أنا والأستاذ عبدالوهاب معلم عثمان في بيته في جدة في عام 2010م، وهي آخر زيارة لي للوالد قبل وفاته بسنة فقط -عليه رحمة الله-  عن تاريخ الأسرة الحسنية وعاداتهم في التعلّم والتعليم وفي عاداتهم في الزواج وغير ذلك من ثقافة وتقاليد الحسنيين وتناولناها في ترجمة الوالد في بداية هذا البحث.

ونكتفي اليوم بهذا القدر على أن نواصل هذا البحث أن شاء الله في الفصل الثاني حول جهود الشيخ في نشر الدعوة العلم في العالم.

     وفي الختام أطلب من كل الإخوة القراء ممن لديه ملاحظات أو إضافة شيء في تاريخ الوالد أو نقد أن لا يتردد في الاتصال بي عبر البريد الإلكتروني، ولا سيما الإخوة الذين يعيشون في البلاد الأوروبية التي زارها الشيخ عمر، فهناك معلومات كثيرة في حهود الشيخ الدعوية والإصلاحية لا نعرف عنها شيئا، أرجو تزويدنا لنضعها في هذه الرسالة إن شاء الله تعالى:

 وإن تجد عيبا فسدّ الخللا        فجلّ من لا عيب فيه وعلا

المراجع

 1 - الشيخ محمد إدريس  مقال حول ترجمة الشيخ عمر فاروق بتاريخ 8/ 3/ 2011م

2- الدكتور محمد  حسين معلم علي “ترجمة الشيخ عمر الفاروق نشر في موقع الصومال اليوم”

3- الشيخ زاهد محمد يوسف ترجمة الشيخ عمر في موقع www.somalitalk.com

4- الحديث (إنّ من البيان لسحرا أو بعض البيان لسحر)  رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنه.

5 - القرأن الكريم الأية  160 _ 159من سورة البقرة.

عن محمد شيخ عمر الفاروق

avatar
ولد في مقديشو عام 1970، بكالوريس من كلية اللغة العربية في الجامعة الإسلامية العالمية باسلام أباد - باكستان عام 2001، ماجستير اللغة العربية تخصص الادب والبلاغة من الجامعة الاسلامية العالمية 2004، ماجستير فى إدارة الأعمال تخصص إدارة تنمية الثروة البشرية من جامعة بريستون فى باكستان عام 2005، كاتب وباحث في عدة مؤسسات تعليمية وله عدة مقالات وبحوث نشرت في المواقع العربية والصومالية.

تعليق واحد

  1. avatar

    اللهم ارحم شيخنا، ومعلمنا، وقائدنا، واجعل مثواه الجنة، مع الصدقيين، والشهداء.
    اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد، نقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، أبدله أهلاً خيراً من أهله، وداراً خيراً من داره، وجيراناً خيراً من جيرانه. اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده ، واغفر لنا وله

    امين يارب العالمين

أضف تعليقا

إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: